أيهما أفضل في رمضان: كثرة الختمات أم القراءة بتدبر؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">في رمضان أيهما أفضل: قراءة القرآن بتدبر وتفكر ومعرفة المعاني، مع قلة الختمات أو عدم الختم أثناء الشهر، أم القراءة المجردة السريعة وكثرة الختمات؟&nbsp;<o:p></o:p></span></p>

مرحبًا بك أخي الكريم، وأحييك على حرصك على استثمار أوقات هذا الشهر الفضيل فيما يرضي الله عز وجل. أسأل الله أن يتقبل منك الصيام والقيام، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك وجلاء حزنك، وبعد...

 

فلقد طرحتَ مسألة تشغل بال كثيرين من الحريصين على الطاعة في شهر رمضان المبارك، وهي المفاضلة بين «الكم» و«الكيف» في تلاوة كتاب الله؛ ذلك لأن شهر رمضان هو شهر القرآن بامتياز، فقد اختاره الله -سبحانه- ليكون وعاءً زمنيًّا لنزول أعظم كتبه؛ قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. لذا، فإن إقبال المسلم على القرآن في هذا الشهر هو إحياء لهذه السنة الربانية، ولكن التساؤل يظل: كيف نقرأ؟

 

فضل التدبر والتفكر (الكيف)

 

الأصل في قراءة القرآن هو الفهم والعمل، والتدبر هو الجسر الذي يعبر بالعبد من مجرد حركة اللسان إلى خشوع الجنان.

 

وقد أخبرنا الله -عز وجل- أن الهدف من إنزال الكتاب هو التدبر؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فالتدبر هو الذي يحقق البركة ويورث التذكر.

 

والقراءة بتفكر وتدبر تجعل العبد يعيش معاني الجنة والنار، والوعد والوعيد، مما يجدد الإيمان. ويُروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «لأن أقرأ (إذا زلزلت) و(القارعة) أتدبرهما أحب إليَّ من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرًا (أي بسرعة)».

 

وقد كان النبي ﷺ أحيانًا يقوم ليلة كاملة بآية واحدة يرددها ويتفكر فيها، كما في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قام بآية حتى أصبح يرددها: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118، ورواه النسائي].

 

فضل كثرة التلاوة والختم (الكم)

 

على الجانب الآخر، هناك فضل عظيم لمجرد التلاوة، خصوصًا في رمضان الذي تُضاعف فيه الأجور. فقد قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» [رواه الترمذي]. فكثرة الختمات تعني ملايين الحسنات.

 

ولقد عُرف عن السلف الصالح الإكثار من الختم في رمضان تحديدًا. وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.

 

الموازنة والجمع

 

يقول العلماء إن المفاضلة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

 

- ميزان الانتفاع: إذا كنت تشعر بأن القراءة السريعة تجعلك تغفل عن المعاني ولا تؤثر في قلبك، فإن التدبر في حقك أفضل وأوجب؛ لأن عمق القراءة قد يغني عن كثرتها في مقامات الخشوع.

 

أما إذا كنت ممن فتح الله عليهم بالفهم السريع مع الحفاظ على التدبر الأدنى، فكثرة التلاوة أفضل.

 

- الجمع بين المنهجين: الأفضل للمسلم في رمضان أن يجعل لنفسه نصيبين:

 

ورد للتدبر: جزء أو نصف جزء يوميًّا، يقرأه بتأنٍّ، مع الرجوع لكتب التفسير الميسرة، ويتأمل في كل آية.

 

ووِرد للحدر (القراءة السريعة المنضبطة): يهدف من خلاله إلى ختم القرآن مرة أو أكثر لنيل أجر التلاوة وبركة الختم.

 

- تغير الحال بتغير الزمان: في الأيام العادية، التدبر هو المقدَّم. أما في مواسم الخير كرمضان، فإن كثرة التلاوة لها خصوصية لاغتنام شرف الزمان، بشرط ألا تصل القراءة إلى حد «الهذرمة» التي تُسقط الحروف أو تخل بمخارجها.

 

وختامًا أخي الكريم، لا تجعل همك متى تختم وكم ختمة فقط؛ بل اجعل همك أيضًا كيف تهتدي بالقرآن.

 

نصيحتي لك أن تجمع بين الأمرين بقدر طاقتك؛ خصّص وقتًا في الصباح للتدبر والوقوف عند المعاني، واجعل أوقاتك الباقية لسرد التلاوة طمعًا في الأجر. وتذكر أن القليل الذي يغير أخلاقك ويهذب نفسك هو عند الله عظيم.

 

اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، واجعله لنا نورًا وهدىً وإمامًا. اللهم اجعلنا ممن يقيمون حروفه وحدوده، ولا تجعلنا ممن يقيمون حروفه ويضيعون حدوده. اللهم بارك لنا في رمضان، وأعنا فيه على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 

روابط ذات صلة:

كثرة قراءة القرآن الكريم أم التدبر: أيهما أولى؟

آداب الاستماع إلى القرآن الكريم

ما معنى قراءة القرآن «بحزن»؟ وكيف نطبقها واقعيًّا؟