كيف أستفيد من لغة الجسد في الإقناع؟

هل استخدام لغة الجسد في النقاش يفيد في الإقناع بالأفكار.. فكيف أستفيد من هذه الوسيلة في تقوية حجتي؟

أخي الكريم، أن تكون مقنعًا ليس بالضرورة أن تمتلك حُجة قوية، أو أن تمتلك الحق أو الصواب، ولكن الإقناع أشبة بعملية متكاملة، من بينها قوة الحجة، وكذلك طريقة الأداء أثناء الحوار، سواء باستخدام ما يمكن تسميته بالأداء المسرحي أثناء الحوار أو المناظرة، أي استخدام لغة الجسد من تعبيرات الوجه أو نغمات الصوت ارتفاعًا وانخفاضًا أو حركات باليد، تلويحًا وإشارة، أو حركة الجسد بالكامل.

 

لغة ضرورية

 

أخي الكريم، إن إتقان لغة الجسد وتوظيفها أثناء الحوار من العوامل الضرورية في ممارسة الإقناع، وخاصة أننا في عصر الصورة، والتي أصبحت تنتقل عبر وسائل الإعلامي وخاصة أن الوسائل الرقمية مؤثرة في المشاهدين، ومغيرة من قناعاتهم.

 

في كتابه "من الذرة إلى المجرة" يورد الدكتور "خالص جلبي" قصة ذات دلالة عن أهمية لغة الجسد في الاقناع، حيث ذكر حكاية عن أديب العربية "الجاحظ" عندما تحدث عن شخصية "أبو شمــرة" وهو كان من علماء الكلام، وكان لا يستخدم لغة الجسد في كلامه، وكما وصفه الجاحظ بقوله: "وكأن الكلام يخرج من صدع صخرة، لاعتقاده أن البيان لا يحتاج إلى شيء خارجه؛ فلا يحتاج إلى التلويح باليدين، أو هز الرأس، والتأشير بالأصابع، والتلاعب بطبقة الصوت"، وكان يظن أن الكلمة بما فيها من صقل بياني ودلالة معنى قادرة أن تؤدي دورها، وأن كل زيادة انفعالية عليها ليست من أصلها، بل كان يرى أن تلك الزيادة هي عنصر ضعف في تكوينها.

 

وقد استمر على هذا الحال، حتى وقعت مناظرة بينه وبين "إبراهيم النظام" وكان من شيوخ المعتزلة ومن كبار علماء الكلام، فناقشه واشتد عليه وأحرجه في تداخلات الأفكار ونظم الكلام، وكان يستخدم لغة الإشارة بكثافة مستعينًا معها بطبقة الصوت وقوة الحجة، وهو ما جعله يكسب جولة النقاش والجدال.

 

ومن طريف الأسئلة التي طرحها الكتاب سؤال: لماذا تأخر نطق الإنسان هذا التأخر الكبير، حتى فتح فمه بالحكمة؟

 

وذكر أن مفتاح التطور الإنساني يعود إلى أربعة أمور، هي: أن يمشي منتصبًا، وأن تتطور حنجرته، وأن ينمو دماغه، وأن تتشكل مراكز اللغة في دماغه؛ فمع المشي منتصبًا تحررت اليدان، وتغير نمط التنفس وإطلاق الصوت، وحسب "نظرية الحكي" لعالم النفس الأمريكي "روبرت بروفاين" فقد لاحظ أن انتصاب الإنسان جعله ينطلق بالعديد من الكلمات قبل أن يلتقط أنفاسه.

 

في كتابه "لغة الجسد" يقول مؤلفه "ثائر عاشور" إن لغة الجسد شكل من أشكال التواصل الإنساني غير اللفظي المبهم ظاهريًّا، لكنه مكشوف للمتمرس في علم الجسد أو صاحب الفراسة.

 

ويشير الكتاب إلى أن لغة الجسد قديمة، لكن الاهتمام العلمي المنهجي بها حديث، حيث بدأ الاهتمام به مع ظهور علم النفس الحديث والدراسات السلوكية، واليوم تُعتبر لغة الجسد جزءًا أساسيًّا من دراسات علم النفس والاجتماع ويستخدمها العالم في العديد من المجالات.

 

ولغة الجسد وسيلة غير لفظية تعتمد على الحركات والإشارات لتوصيل المشاعر والأفكار دون استخدام الكلمات وتعد جزءًا أساسيًّا من التواصل البشري، وهي تمثل 55% من إجمالي التأثير الذي نستخدمه للتواصل.

 

وسائل الاستفادة من لغة الجسد

 

هناك بعض الوسائل التي من خلالها يمكن توظيف لغة الجسد بشكل أكثر فعالية أثناء الحوار أو المناظرة أو حتى التسويق وترويج السلعة والمنتجات، بل في غالبية التواصل الإنساني عبر الحياة اليومية للشخص، ومن تلك الوسائل:

 

* استخدام الجسد بما يوحي بالثقة: ونقصد أن يبعث الجسد رسالة من خلال الوقوف بشموخ أو الجلوس بطريقة جيدة أن الشخص يمتلك الكثير من عوامل الثقة في ذاته، وهذه الثقة تتسرب من الذات إلى الآخرين عبر لغة الجسد، فوقوف الشخص بصورة منكسرة أو منخفض الرأس، أو جلوسه قلقًا على مقعده يعطي إشارات سلبية حول ثقته بالنفس.

 

* الحفاظ على التواصل البصري: وهذه مسألة ذات أهمية في الإقناع، فالشخص ذو العينين القلقتين أو اللتين لا تثبتان على شيء، أو الحائرتين، فإنه يسيء استخدام لغة الجسد.

 

* استخدام إشارات اليد بشكل فعال: إشارات اليد ذات دلالات في الإقناع، فالشخص الذي يحافظ علي يديه ساكنتين لا يحركهما في النقاش والتواصل يكون أقل إقناعًا ممن يستخدم إشارات اليد بشكل فعال.

 

* التحكم في حركة النفس الخارج من الصدر: الشخص الذي ترتفع دقات قلبه وتتزايد أنفاسه وتتابع بصورة سريعة للغاية يبعث جسده برسالة أنه متوتر، وأنه لا يمتلك الحجة في الإقناع، أو أنه ضعيف، وهذا يفقده الكثير من إمكانياته في الإقناع.

 

وعمومًا أخي الكريم، لغة الجسد مهمة في الإقناع، لكن لا بد أن يتوازى معها الصدق، وأن تكون القضية التي يتحدث فيها الشخص قضية عادلة وذات نفع للناس ولا تفرقهم، وكلما كانت القضية ذات جانب أخلاقي، كانت لغة الجسد أقوى في الإقناع.

 

موضوعات ذلك صلة:

نصائح لبناء حجة قوية

مساهمات الحضارة الإسلامية في فن الجدل والمناظرة

كيف ناقش التراث الإسلامي الشك؟

كيف أتغلب على التفكير السلبي؟