إمام يمدح الناس قراءته.. كيف يتقي الرياء والعُجب؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</p> <p>أنا رجل في الأربعين من عمري، أعمل موظفًا، وأصلي أحيانًا إمامًا في المسجد القريب من عملي أو سكني عند غياب الإمام الراتب. حفظي للقرآن محدود، لكني أجتهد في تحسين التلاوة. بعد الصلاة يثني عليَّ بعض المصلين، ويمدحون قراءتي وصوتي، وهذا يسبب لي حرجًا وخوفًا على إخلاصي لله.</p> <p>فهل يؤثر هذا الثناء على صحة نيتي؟</p> <p>وكيف أتعامل مع مدح الناس لي؟</p> <p>وهل مقبول أن أطلب منهم الكف عن ذلك، أم أكتفي بالسكوت؟</p> <p><span dir="RTL">جزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم</span>.</p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، ونشكر لك حرصك على تحرِّي الإخلاص في عبادتك. أسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل إمامتك للناس في ميزان حسناتك، وأن يرفع قدرك في عليين، ويجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك، وبعد...

 

فإن القلق الذي تشعر به تجاه مدح الناس هو قلق محمود في أصله؛ لأنه ينبع من تعظيم الله في قلبك، وخوفك من أن تشرك معه في نيتك أحدًا سواه.

 

وإمامة الناس في الصلاة هي مقام شريف، وتأثر الناس بالصوت الحسن والتلاوة الخاشعة أمر فطري جُبلت عليه النفوس، وأيضًا تأثر الإنسان بمدح الناس له هو أمر طبيعي؛ لكن دعنا نفصِّل الأمر لتطمئن وتعرف كيف تدير هذه المشاعر.

 

هل يؤثر ثناء الناس على صحة النية؟

 

أخي الحبيب، إن النية تسبق العمل وتصاحبه. فإذا دخلتَ الصلاة وأنت لا ترجو إلا وجه الله، ثم جاء ثناء الناس بعد الفراغ من العبادة دون طلب منك أو رغبة مسبقة فيه، فهذا لا يقدح في أصل نيتك، بل هو كما قال نبينا ﷺ: «عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»، لما سُئل عن الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه [رواه مسلم].

 

وإن الله إذا رضي عن عبدٍ، ألقى حبه في قلوب العباد، فأثنوا عليه. فما دمت لم تقصد بصلاتك وتلاوتك أن يقال: «فلان صوته جميل»، أو: «تلاوته خاشعة»، فلا يضرك قولهم بعد ذلك شيئًا.

 

كيف تتعامل مع مدح الناس؟

 

التعامل مع المدح يحتاج إلى فقه ووعي قلبي، فالمدح له بريق وأثر قد يغوي النفس، ولتجنب آثاره السلبية أنصحك بالتالي:

 

1- رُد الفضل لصاحبه: عندما يمدحون صوتك، تذكَّر في نفسك، وقل لهم: إن هذا الصوت هبة من الله سبحانه، وإن التوفيق للقراءة الحسنة هو محض فضلٍ منه جل وعلا، ثم شيخك الذي علَّمك كيف تقرأ. وأنك ترجو أن يتقبل الله منك ومنهم هذا العمل خالصًا لوجهه.

 

2- استحضار العيوب المستورة: أحد السلف كان إذا مُدح قال في نفسه: «لو علموا ما أعلم من نفسي لما سلَّموا عليَّ». فتذكر أن الناس يمدحون جميل ستر الله عليك؛ لا حقيقة عملك الذي أنت تعلمه جيدًا، فالناس يرون الظاهر والله يتولى السرائر.

 

3- الدعاء: فلقد روي أنَّ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كان إِذَا زُكِّيَ -أَيْ مُدِحَ- قَالَ: «اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ» [رواه البخاري في الأدب المفرد].

 

 هل تطلب منهم الكف عن المدح أم تسكت؟

 

هذا يعتمد على حالك وحالهم، فإذا كان الثناء عابرًا محدودًا غير مبالغ فيه، من باب التشجيع، مثل قولهم: «جزاك الله خيرًا»، أو: «نفع الله بك»، فالأفضل هو قبول ذلك، وشكرهم بكلمة طيبة، مع صرف قلبك فورًا عن الالتفات للقول.

 

أما إذا شعرت أن المدح بدأ يدخل في دائرة التزكية المبالغ فيها التي قد تؤدي بك إلى العُجب، فهنا يمكنك نصحهم بلطف: «بارك الله فيكم، الفضل لله وحده، ثم لمن علَّمَني، دعواتكم لنا بالقبول والإخلاص».

 

 احذر فخ الشيطان

 

أخي الكريم، قد يأتيك الشيطان من باب آخر، فيقول لك: «بما أنك تخشى على نيتك من المدح، فاترك الإمامة واكتفِ بالصلاة خلف أي إمام»، فاحذر هذا الفخ، لأن العلماء قالوا: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». فاستمر في إمامتك، واجتهد في تحسين تلاوتك، واعتبر مدح الناس اختبارًا لصدقك مع الله، لا سببًا لترك الخير.

 

وختامًا أخي العزيز، إن خوفك من الرياء هو أكبر دليل على إخلاصك بإذن الله، فالمرائي لا يخاف على نفسه من الرياء. استمر في طريقك، وطوِّر مهاراتك في التلاوة والحفظ، واجعل من هذا الثناء دافعًا لك لمزيد من العمل الصالح الخفي الذي لا يعلمه إلا الله، لتوازن بين عمل الظاهر وخبيئة الباطن. يقول جل وعلا: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص: 83].

 

وفقك الله ورعاك، ورزقك وإيانا الإخلاص في القول والعمل.

 

روابط ذات صلة:

الإخلاص.. من أخلاق الداعية الناجح

كيف يعالج الداعية هاجس الرياء وحب الظهور؟

الصوت الجميل عند قراءة القرآن بين نعمة الله ووسوسة الرياء

كيف نخلص النية لله دون إنهاك النفس بالتدقيق المفرط؟

أرهقني التكلف في إظهار «المثالية» وأخشى الرياء

وساوس الرياء في الدعوة.. كيف أتعامل معها؟

الخوف من الرياء والوسوسة

الإخلاص والاستعاذة علاج للرياء والوسوسة

أخبر الناس بعباداتي وأخشى الرياء.. كيف أضبط نيتي؟