<p>أنا فتاة في عمر الزواج، وهناك رجل يتواصل معي بشكل مستمر، لكنه لم يعلن صراحةً نيته في الارتباط بي أو التقدّم لخطبتي. ومع ذلك، كثيرًا ما يفتح معي أحاديث عن المستقبل، ويقترح أن نضع خططًا مشتركة لحياتنا القادمة، وكأننا مرتبطان فعلًا.</p> <p>بدأت أتساءل: هل يجوز لي شرعًا أن أضع خططًا مستقبلية معه، وهو لم يعلن نيته للزواج؟</p> <p>وهل يُعد ذلك من باب حسن الظن، أم أنه تجاوز للحدود الشرعية؟</p>
مرحبًا بك يا ابنتي، وبارك الله فيك على حرصك على دينك، وتوقفك عند حدود الله، ورغبتك في بناء حياتك على أساس سليم يرضي الله سبحانه وتعالى. أسأل الله العظيم أن يحفظ قلبك من كل سوء، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي يكون قرة عين لك، وأن يختار لك الخير حيث كان ثم يرضيك به، وأن يغنيك بحلاله عن حرامه، وبعد...
توصيف هذه العلاقة
ابنتي الكريمة، يجب أن نضع النقاط على الحروف ابتداءً. هذا الرجل -ما دام لم يعقد عليك، ولم يتقدم لخطبتك رسميًّا- هو في ميزان الشرع «رجل أجنبي» عنك تمامًا، لا يحل لك كشف حجابك أمامه ولا الخلوة به.
والتواصل المستمر بين الشاب والفتاة عبر وسائل التواصل، إذا خرج عن إطار الضرورة القصوى والحاجة الماسة (كعمل أو دراسة بضوابطها)، ودخل في إطار الأحاديث الجانبية والمشاعر والخطط، فإنه بابٌ واسعٌ من أبواب الفتنة، وذريعة كبرى للشيطان.
يقول الله -تبارك وتعالى- مرشدًا نساء المؤمنين في التعامل مع الرجال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]. والقول المعروف هو الكلام الموجز الذي تقتضيه المصلحة والحاجة، الخالي من تليين الصوت أو الانبساط في الحديث الذي يُطمع الطرف الآخر.
تخطيط أم أحلام يقظة؟
سألتِ: «هل يجوز لي شرعًا أن أضع خططًا مستقبلية معه؟»، وإجابتي المباشرة: لا يجوز، ولا ينبغي ذلك شرعًا ولا عقلًا.
فمن الناحية الشرعية: التخطيط للحياة المشتركة فرعٌ عن وجود رابطة شرعية، وهي عقد الزواج أو الوعد به (الخطبة) بضوابطها. أما الحديث عن تفاصيل البيت، وأسلوب الحياة، وأسماء الأولاد... إلخ، مع رجل أجنبي، فهو نوع من «الاستمتاع الحرام» بالمحادثة، ورفع الكلفة، وهذا يسقط حاجز الحياء الشرعي المطلوب لديك ولديه. وقد حذرنا الله -عز وجل- من العلاقات الخفية حتى لو كانت تحت ما يسمونه الآن: «الحب» أو «المؤانسة» دون غطاء شرعي، فقال سبحانه: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: 25]، والأخدان هم أصدقاء السر.
ومن الناحية العقلية، واقعيًّا ونفسيًّا: إن مشاركتك هذا الرجل في هذه الخطط هي مشاركة في مجرد أحلام يقظة، و«وهم كبير»؛ إذ يسحبك هذا الرجل إلى الخيال، ويجعلك تبنين آمالًا ومشاعر تتعلقين بها قلبيًّا ونفسيًّا، ثم تفيقين وتدفعين الثمن غاليًا، إذا انسحب الرجل -وهذا وارد جدًّا لأنه لم يلتزم بشيء- فتذوقين طعم الانكسار والخذلان والانهيار.
حسن ظن أم تجاوز للحدود؟
يا بنيتي، هناك فرق دقيق وعظيم بين «حسن الظن» وبين «السذاجة» أو «تزيين الشيطان».
- حسن الظن: هو أن تظني بالمسلم خيرًا ما لم يظهر منه خلاف ذلك، ولكن لا يعني أن تسلمي له قلبك وعقلك دون وثيقة شرعية.
- التجاوز: هو أن تقبلي بعلاقة ضبابية غير واضحة المعالم تحت اسم حسن الظن.
لو كان هذا الرجل صادقًا في خططه التي يرسمها معك، لكانت الخطوة الأولى في هذه الخطة هي: طرق باب أهلك، وطلبك للزواج. يقول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]. فالبيوت والقلوب تُدخل من أبوابها الشرعية، لا من نوافذ المحادثات الخلفية. وقد قال النبي ﷺ: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكاحِ» [رواه ابن ماجة]. فالرجل الصادق في وده، لا يرضى للمرأة التي يريدها زوجة وأمًّا لأولاده أن تكون شريكة في علاقة سرية أو غامضة، بل يعلن رغبته ويطلبها عزيزة مكرمة.
لماذا لم يُعلن نيته صراحة؟
ابنتي الكريمة، لقد ذكرتِ من حال ذلك الرجل معك، أنه: يتواصل، ويخطط؛ لكنه لا يصرح بالخطبة! وهذا يضعنا أمام احتمالات عليك أن تكوني فطنة لها، منها:
أنه فارغ يتسلَّى: فالبعض يستمتع بوجود طرف من الجنس الآخر معه، يشاركه أحلامه دون تحمل مسؤولية.
أنه غير جاهز للزواج: قد يكون غير جاهز، لكنه «يحجزك» عاطفيًّا حتى يقرر! وهذا ظلم لك؛ لأنه يعطل نصيبك ويشغل قلبك.
أنه متردد: قد يكون مترددًا في اتخاذ القرار، ومجاراتك له في التخطيط تطمئنه أنك «موجودة ومتاحة» فلا يسعى لخطوة رسمية.
في كل هذه الأحوال، أنتِ الخاسرة في استمرار هذا الوضع.
ماذا تفعلين؟
بناءً على ما سبق، أنصحك -نصيحة أب مشفق- بالآتي:
أولًا- إيقاف نزيف المشاعر: توقفي فورًا عن مشاركته أي حديث عن المستقبل. إذا تحدث عن حياتكما القادمة، فقولي له بوضوح: «يا فلان، أنا لا أستطيع التحدث عن مستقبل غيبي مع رجل ليس زوجًا لي ولا خطيبًا، ديني وتربيتي يمنعانني من ذلك».
ثانيًا- المطالبة بالحسم: إذا كان صادقًا ويريدك زوجة، فلا بد أن يثبت ذلك بالعمل لا بالكلام. قولي له: «إذا كانت لديك رغبة حقيقية في الارتباط، فبيتنا معروف، ورقم ولي أمري موجود. غير ذلك، أرجو أن تتوقف عن التواصل معي».
ثالثًا- قطع التواصل: إذا لم يتقدم خطوة رسمية بعد كلامك الحازم، فهذا دليل قاطع على أنه لا يصلح لك، أو أنه يتلاعب، وهنا يجب عليك قطع التواصل نهائيًّا (حظر الأرقام والحسابات)؛ حماية لقلبك وصيانة لكرامتك. يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 و3].
وقبل ما فات، وأثناءه، وبعده، عليك باللجوء إلى الله: أكثري من الدعاء والاستخارة، واعلمي أن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولا يمكن أن تبدأ حياة زوجية مباركة بمخالفات شرعية في بدايتها.
وختامًا ابنتي الغالية، أنت جوهرة مصونة، والجوهرة لا تُعرض على الأرصفة ولا تُنال بالأماني، بل تُطلب بـ«الميثاق الغليظ». لا ترخصي نفسك بمحادثات لا طائل منها، واعلمي أن الرجل يحترم المرأة التي تضع حدودًا لله وتحفظ نفسها، وتتمسك بحيائها.
أسأل الله أن يلهمك الرشد، ويقوي عزيمتك على الحق، وأن يعوضك خيرًا مما ترجين، وأن يجمعك بالزوج الصالح في حلال يُرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
روابط ذات صلة:
أجنبي متزوج يطلب منها «المؤانسة».. إحسان أم فتنة؟!