هل يصلح مَن عايشوا الحروب والأزمات الأسرية للتوظيف المؤسسي؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : بناء فريق
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 148
  • رقم الاستشارة : 3838
14/01/2026

هل من المناسب توظيف أشخاص عاشوا في بيئة مضطربة مثل الحروب أو الكوارث أو التفكك الأسري؟

وكيف يمكن للموارد البشرية دعمهم للتغلب على آثار الصدمات السابقة وضمان أدائهم الوظيفي بشكل صحي وفعَّال؟

الإجابة 14/01/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، ويسعدني أن أضع بين يديك رؤية إدارية وإنسانية حول هذا الموضوع الحساس والمهم في عالم إدارة الموارد البشرية المعاصر، سائلًا الله –عز وجل- لي السداد، ولك النفع والتوفيق، وبعد...

                           

ففي ظل المتغيرات المتسارعة التي يمر بها العالم، أصبحت المؤسسات تواجه تحديات تتجاوز مجرد الكفاءة والقدرة على أداء الوظيفة، لتصل إلى فهم «الرصيد النفسي» للموظفين.

 

والتساؤل حول توظيف الأشخاص الذين مروا بظروف قاسية هو تساؤل أخلاقي وإداري في آن واحد. فالمؤسسة –أي مؤسسة- ليست مجرد آلة صماء للإنتاج؛ بل هي مجتمع إنساني يتأثر ويؤثر فيمن ينتمي إليه.

 

هل من المناسب توظيف من عاشوا في بيئات مضطربة؟

 

الإجابة المختصرة هي: «نعم، وبكل تأكيد». وهذه ليست إجابة عاطفية، بل هي مبنية على أسس علمية.

 

يرى علماء النفس أن الصدمات التي يتعرض لها الإنسان لا تؤدي دائمًا إلى انهياره؛ بل قد تؤدي إلى ما يسمى «نمو ما بعد الصدمة». فهؤلاء الأشخاص غالبًا ما يمتلكون سمات استثنائية يفتقدها من عاش حياة نمطية، مثل:

 

- المرونة الفائقة: أي: القدرة على التكيف مع التغيرات المفاجئة.

 

- تقدير القيمة: أي أن لديهم دافعية عالية للتمسك بالفرص؛ لأنهم يدركون تمامًا معنى فقدانها.

 

- حل المشكلات: فهم غالبًا ما امتلكوا مهارات بقاء جعلت عقولهم مبرمجة على إيجاد حلول في أصعب الظروف.

 

كما أن إقصاء هؤلاء الأشخاص يعد شكلًا من أشكال التمييز السلبي، والظلم المجتمعي. وفي المقابل يحرم المؤسسات من مزاياهم الفريدة؛ فالفريق الذي يضم أفرادًا مروا بتحديات وجودية، هو فريق يمتلك عمقًا في التفكير وقدرة على التحمل، تتجاوز بكثير الفرق التي عاشت في «مناطق الراحة».

 

دور الموارد البشرية في الدعم وضمان الأداء

 

إن توظيف هؤلاء الأفراد يتطلب إدارة واعية، تعمل على النقاط التالية: 

 

أولًا- بناء بيئة الأمان النفسي

 

فلا يمكن لشخص عانى من عدم الاستقرار أن يبدع إلا إذا شعر بالأمان. ولمس الوضوح والشفافية في التعامل؛ لأن الغموض يثير قلقه؛ لذا يجب أن تكون الوظيفة التي سيتم تسكينه فيها وتكليفه بها واضحة المعالم، والمهام محددة بدقة.

 

كما يحتاج هؤلاء إلى مديرين يتسمون بالاتزان الانفعالي والقدرة على التنبؤ بتصرفاتهم والتعامل معها بشكل صحيح.

 

ثانيًا- تفعيل برامج مساعدة الموظفين

 

يجب أن توفر الشركة قنوات –يفضل أن تكون سرية أو خاصة- للحصول على دعم نفسي متخصص. مثل توفير جلسات إرشادية دورية للتعامل مع نوبات القلق أو مثيرات الصدمة التي قد تظهر في بيئة العمل.

 

ثالثًا- المرونة في تصميم العمل

 

إن المرونة مع الموظفين عمومًا، ومع من نتحدث عنهم خصوصًا ليست تدليلًأ ولا تهاونًا؛ بل قد تكون ضرورة طبية ونفسية أحيانًا. فتوفير خيارات مثل العمل عن بُعد، أو ساعات العمل المرنة في الأيام التي قد يشعر فيها الموظف بضغط نفسي زائد، يضمن استمرارية الإنتاجية وجودتها دون احتراق نفسي أو تقصير.

 

رابعًا- تدريب المديرين

 

يجب تدريب المديرين المباشرين المشرفين على هذه النوعية من الموظفين. فالمدير مع هؤلاء ينبغي ألا يكتفي بمراقبة أرقام ومعدلات الإنتاج؛ بل يراقب الإنسان الذي يقف خلف هذه الأرقام والمعدلات.

 

ومن الممكن إلحاق هؤلاء المديرين بدورات تدريبية للتعرف على علامات الاحتراق النفسي أو الاضطراب، وتقديم الدعم الأولي دون إحراج الموظف.

 

التمكين لا العطف

 

أود التأكيد على مبدأ مهم جدًّا في هذه المسألة، وهو أن توظيف أصحاب هذه التجارب يجب أن ينطلق من قاعدة صلبة قوامها «الاستحقاق والجدارة»، لا من منطلق العطف، أو الرغبة في الاستيعاب الإنساني المجرد.

 

إن أخطر ما يواجه الموظف الذي مر بظروف استثنائية هو شعوره بأن وجوده في المؤسسة منحة، أو أنه يؤدي عملًا صوريًّا لتخفيف معاناته. فهذا الشعور يقتل دافعيته، ويُعيد تدوير الصدمة بداخله كونه شخصًا غير فاعل.

 

إن الواجب المهني يحتم على الموارد البشرية وضع هؤلاء الأفراد في ثغور وظيفية تناسب مؤهلاتهم وما يحسنونه فعلًا، مع تحميلهم مسؤوليات حقيقية يحاسَبون عليها ويكافَؤون تجاهها. فشعور الموظف بأنه ترس حقيقي في آلة النجاح، وأن أداءه يؤثر فعليًّا في نتائج المؤسسة، هو أعظم وسيلة لاستعادة توازنه النفسي وثقته بذاته. فالتوظيف المهني القائم على الكفاءة يمنح الموظف «هوية إنتاجية» تمحو «هوية الضحية»، ويجعله يدرك أن المؤسسة لا تمُنُّ عليه براتب، بل تستثمر في موهبته مقابل مخرجات ذات قيمة.

 

ولكن هذا لا يمنع –بالطبع- من العمل على تأهيل غير المؤهل منهم، ومساعدته على اكتساب مقومات الوظيفة ومتطلباتها كي يكون جديرًا بها.

 

دليل مقترح لسياسة توظيف هذه الفئة: 

 

- يتم تقييم المرشح بناءً على مهاراته وقدرته على التعلم، مع مراعاة أن الفجوات في السيرة الذاتية قد تكون ناتجة عن ظروفه القهرية.

 

- تدريب مسؤولي التوظيف على تجنب الأسئلة التي قد تثير ذكريات مؤلمة لديهم، والتركيز على نقاط القوة المستمدة من التحديات.

 

- يُخصص لكل موظف جديد عاش ظروفًا مضطربة زميلٌ ذو خبرة ليكون مرجعًا مهنيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا له، على قدر المستطاع، مما يقلل من شعور الاغتراب لديه.

 

- توفير ركن هادئ في المكتب يمكن للموظف اللجوء إليه في حال شعوره بضغط نفسي مفاجئ لاستعادة توازنه.

 

- الالتزام بمبدأ السرية المطلقة فيما يخص التاريخ الشخصي أو النفسي للموظف، ولا يحق لأي طرف الاطلاع عليه إلا لأغراض الدعم فقط.

 

- إذا كان في بيئة العمل ما يذكِّر الموظف بصدمة سابقة، فتلتزم الإدارة بتعديل مكان عمله أو توفير أدوات تساعده على تجاوز ذلك أو التغاضي عنه.

 

وختامًا أخي الكريم، فإن تبني هذه السياسات ليس مجرد إجراء تنظيمي؛ بل هو تجسيد لقيم الرحمة والعدل في بيئة العمل. إن القائد الناجح هو من يبني جسورًا فوق جراح موظفيه ليعبروا معًا نحو النجاح.

 

واعلم إن الاستثمار في الإنسان هو أسمى أنواع الاستثمار، ومن عاش الصعاب غالبًا ما يكون أكثر إخلاصًا للمكان الذي احتواه وقدَّر إنسانيته. ودور أصحاب المؤسسات والقائمين عليها أن يروا النور خلف الغبار، وأن يبنوا مؤسسات لا تكتفي بجني الأرباح، بل تساهم في ترميم الأرواح.

 

أسأل الله –تعالى- أن يجعل عملكم هذا في ميزان حسناتكم، وأن يوفقكم لتكونوا ملاذًا آمنًا لكل من ضاقت به السبل، وأن يبارك في جهودكم لخدمة المجتمع والإنسان. دمتم بحفظ الله ورعايته.

 

روابط ذات صلة:

دور القيادة والحوافز في الولاء المؤسسي

ضرورة بث التنافس بين أفراد المؤسسة.. متى يكون؟

الرابط المختصر :

icon الاستشارات ذات الصلة