الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5719
29/08/2026
أنا عندي حوالي 38 سنة، شغال موظف إداري في شركة، ومسؤول عن بيت وأسرة، والحمد لله مستورين، لكن متطلبات الحياة والالتزام بالمصاريف بتمثل عليا ضغط عصبي كبير. ساعات بحس بعدم توفيق في خطط كتير بحاول أعملها عشان أحسّن وضعنا، وده بيدخلني من وقت للتاني في حالة حزن واكتئاب وتقوقع على نفسي، رغم إني بفضل الله مواظب على الصلاة في المسجد، وأذكار الصباح والمساء، وضميري صاحي وبحاول أتقي الله في كل حاجة، وراضٍ تمامًا بقضائه.
المشكلة إن من كام يوم بعد صلاة العشاء، كنت قاعد مع واحد جاري في المسجد وكنت مخنوق ومحتاج أفضفض، فحكيت له عن حالة الضيق والاكتئاب اللي بتجيلي دي. لقيته رد عليا بكلام قلقني وخوفني جدًا على نفسي؛ قال لي بالحرف: «يا أستاذ المؤمن ما يكتئبش أبدًا! الاكتئاب ده لغير المسلمين وللي بعاد عن ربنا، إنما احنا عندنا القرآن، وربنا قال: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. فطالما بيجيلك اكتئاب وحزن يبقى أنت عندك نقص صريح في الإيمان واليقين، ولازم تراجع نفسك»!
الكلام ده نزل عليا زي الصاعقة وقلّب كياني؛ وبقيت خايف على إيماني، وبسأل نفسي: هل فعلًا حزني واكتئابي دليل على إني منافق أو إيماني ضعيف؟ وهل لو المشاعر دي هاجمتني تاني هكون مقصر في حق ربنا؟ أنا بحب ربنا ومؤمن بيه، بس الضغوط ساعات بتكون أكبر من طاقتي.
ثم هل الكلام اللي جاري قاله ده صحيح شرعًا؟
وهل شعور المسلم بالحزن أو الاكتئاب النفسي يعتبر نقص في إيمانه؟
وإزاي أتعامل مع نوبات الحزن دي لما تهاجمني؟
وجزاكم الله كل خير، وآسف على الإطالة.
مرحبًا
بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر
أمرك، ويكشف همك، وأن يبارك لك في عمرك وأسرتك ورزقك، وأن يجازيك خير الجزاء على
رعايتك لبيتك وأهلك، وبعد...
فاعلم
-أخي الكريم- أنك في عبادة عظيمة، بسعيك على أسرتك، واجتهادك لكسب الرزق الحلال،
وأن محافظتك على الصلاة والأذكار وسط هذه التحديات الحياتية، علامة خير وإيمان
عظيم فيك، يحبها الله ورسوله.
هل
الحزن والاكتئاب دليل على نقص الإيمان؟
أخي
الكريم، أقولها لك بوضوح وجلاء: كلام جارك غير صحيح شرعًا، وهو اجتهاد منه بغير
علم، ومفهوم خاطئ للأسف يقع فيه كثيرون.
إن
المؤمن بشر يتأثر بالضغوط، والجسد والنفس لهما طاقة استيعابية كفلها الله تعالى،
والإيمان لا يحوِّل الإنسان إلى صخرة صماء لا تشعر بالغم أو الحزن. فالحزن والضيق
النفسي نتيجة تراكم الضغوط هي أعراض بشرية طبيعية، وليست دليلًا على ضعف الإيمان
ولا النفاق.
لقد
حزن بعض الأنبياء -وهم أعلى الخلق إيمانًا وتوحيدًا- حزنًا شديدًا لأسباب متعددة.
فهذا يعقوب -عليه السلام- حزن على فراق ولده حتى فقد بصره: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ
وَقَالَ يَا أسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ
كَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: 84]. فلم يقل له الله إن حزنك نقص في إيمانك، بل أثنى على
صبره وتسليمه لله.
وهذه
مريم -عليها السلام- من شدة الكرب والحزن: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ
هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [سورة مريم: 23].
حتى
نبينا محمد ﷺ حزن وضاق صدره لكلام قومه وضغوط الدعوة، فقال له رب العزة: ﴿وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [سورة الحجر: 97]. وعندما
توفي ابنه إبراهيم، بكى وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي
ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [رواه البخاري].
الاستعاذة
من الحزن سُنة نبوية
ولو
كان الحزن والهم لا يصيبان المؤمن، لما كان النبي ﷺ يكرر في دعائه: «اللهم إني
أعوذ بك من الهم والحزن» [رواه البخاري].
أما
الاستشهاد بآية: ﴿أَلَا بِذِكرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28]،
فالطمأنينة هنا هي سكينة الرضا بقضاء الله وقدره، ولا تعني إلغاء المشاعر البشرية
أو عدم التأثر بأعباء الحياة والتعب النفسي. فما دمت راضيًا بقضاء الله وقدره،
ومواظبًا على فرائضك، فإيمانك سليم، وإياك أن تدَع وسواس النفاق أو ضعف الإيمان
يتسلل إلى قلبك.
الفرق
بين الحزن وبين السخط
هناك
خلط كبير عند الناس بين الأمرين ينبغي توضيحه:
فالسخط
وعدم الرضا، هو أن يعترض الإنسان على ربه، فيقول مثلًا: «لماذا تفعل بي هذا يا
رب؟»، وهذا هو المذموم شرعًا.
أما
الحزن والألم النفسي أو الاكتئاب، فهو شعور الإنسان بالثقل والرغبة في الانعزال
نتيجة الضغوط المتراكمة، مع بقاء قلبه متوكلًا على الله ورادًّا الأمر إليه، وهذا
لا إثم فيه؛ بل يثاب عليه المؤمن إذا صبر. قال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب
ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من
خطاياه» [متفق عليه].
مقترحات
عملية للتعامل مع نوبات الاكتئاب
1-
خذ النصح من المتخصصين: تعلم ألا تأخذ النصائح النفسية أو الشرعية
من عوام الناس غير المتخصصين؛ فكثير من الناس يتحدثون بعاطفة أو بانطباعات شخصية
دون فقه في الدين أو الدنيا.
2-
تفكيك الضغوط المالية والحياتية: قسِّم مشكلاتك
إلى: ما تملك السيطرة عليه، وما لا تملك السيطرة عليه. فما تملك السيطرة عليه
اجتهد في أسباب حله على قدر طاقتك، مستعينًا بالله، طالبًا مدده. وما لا تملك
السيطرة عليه ففوِّض أمرك فيه إلى الله، متوكلًا عليه، مطمئنًّا إلى جنابه، محسنًا
الظن به.
3-
ركِّز على يومك: وجِّه تفكيرك إلى واقعك، وكيفية إدارته، ودع
المستقبل لله سبحانه؛ قال النبي ﷺ: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده،
عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» [رواه الترمذي].
4-
الترويح عن النفس: الضغط المستمر يستهلك الجسد والروح معًا،
فاجعل لنفسك وقتًا تتمشى فيه في الهواء الطلق، أو تمارس فيه نشاطًا ترفيهيًّا
مباحًا، كرياضة ما أو هواية.
5-
الدعاء واللجوء إلى الله: عندما تشعر بالضيق، قم وتوضأ وصلِّ
ركعتين، واستحضر دعاء الكرب الذي كان يدعو به النبي ﷺ: «لا إله إلا الله العظيم
الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله، رب السماوات ورب الأرض
ورب العرش الكريم» [متفق عليه]. وارفع يديك إلى الله في أوقات الإجابة واشكُ له
نفسك ودنياك، والجأ إليه ليعينك ويخفف عنك ويقضي حاجاتك، فهو نعم المولى ونعم
النصير، وسبحانه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
6-
التعبير عن الاحتياجات وعدم العزلة: التقوقع
والانعزال يغذي الاكتئاب. فاختر شخصًا واحدًا (قريبًا أو زميلًا أو صديقًا) بشرط
أن يكون حكيمًا كتومًا، لتحكي له عن مشاعرك، ويساعدك في إدارتها. أو فرِّغ تلك
المشاعر والأفكار كتابة على الورق، أو سجلها بصوتك على الهاتف، ثم تخلص من هذه
الأوراق والتسجيلات، لتشعر بأنك أزلت عن كتفيك حملًا ثقيلًا.
7-
الاستعانة بالطب النفسي: إذا وجدت أن نوبات الحزن تعطلك عن أداء
واجباتك، أو تسبب لك إرهاقًا شديدًا مستمرًّا، ولم تفلح الفضفضة لإنسان ولا
الكتابة ولا التسجيل، فلا تتردد في استشارة طبيب نفسي. فالعلاج النفسي أخذ
بالأسباب الشرعية كالعلاج الجسدي تمامًا، وقد قال النبي ﷺ: «تداووا عباد الله، فإن
الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء» [رواه أبو داود].
وختامًا
أخي الكريم، أسأل الله العلي القدير أن يرفع عنك كل هم وغم، وأن يوسع عليك في
رزقك، وأن يسبغ عليك وعلى أهل بيتك الصحة والعافية والسكينة، وأن يثبت قلبك على
طاعته، وينزل على روحك الطمأنينة والانشراح. ودمتَ في حفظ الله ورعايته.
روابط
ذات صلة:
دواء الاكتئاب في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة