الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
116 - رقم الاستشارة : 5649
22/08/2026
أنا باحثة ماجستير في علوم البيئة، عمري 26 سنة، ومخطوبة والمفروض بنجهز بيتنا عشان نتجوز قريب. لكن بقالي فترة حاسة بحمل تقيل على صدري، وحالة من الشلل النفسي مخلياني مش عارفة أتحرك ولا أخطط لأي خطوة جاية.
بحكم دراستي ومتابعتي اليومية للتقارير والأزمات المناخية، والتهديدات البيئية المستقبلية من جفاف وفيضانات وتدهور للكوكب. جالي نوع غريب من القلق. بقيت أصحى كل يوم أتساءل: هو أنا بجهز شقتي وبختار العفش والتفاصيل دي ليه؟ وإيه جدوى إني أتجوز وأجيب أطفال للدنيا في عالم رايح للدمار بالشكل ده؟ إيه ذنب طفل أطلعه يواجه المستقبل المرعب ده؟ حتى الماجستير وشغلي وتطوير نفسي بقيت حاسة إن كل ده ملوش قيمة ولا معنى. إيه لازمة السعي والكوكب بيموت؟
الموضوع زاد صعوبة لما بدأ يتداخل في عقلي التحذيرات والسيناريوهات العلمية السوداوية دي مع الحديث عن أشراط الساعة وعلامات القيامة وقرب النهاية. بقيت مشتتة تمامًا؛ ساعات أقول لنفسي "خلاص الدنيا بتخلص ومفيش أمل"، وساعات تانية بحس بالذنب وبإن التفكير ده غلط وهروب من المسؤولية.
نفسي أفهم إزاي المسلم يقدر يبني التوازن ده؟ إزاي أجمع بين إيماني باليوم الآخر والاستعداد ليه، وبين إن يكون عندي أمل حقيقي، وأعمر الأرض، وأفرح بجوازي وبحياتي وأسعى فيها وأنا مطمنة ومن غير ما أحس بالعبثية؟
مرحبًا
بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
ينزل على صدرك السكينة والاطمئنان، وأن يفرِّج عنك هذا الهم، ويشرح صدرك لما فيه
خير دينك ودنياك، وأن يتمم زواجك على خير، ويسعدك في حياتك المقبلة، ويجعل علمك
نافعًا ومباركا لك ولأمتك، وبعد...
فما
تمرين به يا ابنتي هي حالة نفسية ناتجة عن تداخل العلوم الطبيعية والكونية مع
القراءة غير المنضبطة وغير الواعية لأحاديث أشراط الساعة، أحدثت لديك نوعًا من
الشلل النفسي والشعور بالعدمية والعبثية وقرب النهاية.
لكن
دعيني أطمئنك بأن هذا كله يتم إصلاحه -بإذن الله- بضبط المفاهيم، وتحقيق التوازن
والترابط بين الإيمان والفكر والعلم والعمل.
مفهوم
إعمار الأرض في الإسلام
إن
الفخ الفكري الذي وقعت فيه هو ربط السعي بالنتيجة، بينما الإسلام يقوم على أن
العبد مُطالَب بالسعي في الأرض كعبادة بذاته، بغض النظر عن النتيجة وعن مصير
العالم. وتأملي معي هذا الحديث العظيم الذي يُعد القاعدة الذهبية لمواجهة الشعور
بالعدمية البيئية والنفسية، قال رسول الله ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة،
فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» [رواه أحمد].
نعم،
إن القيامة ستقوم بالفعل، وقد يصل الفساد الكوني إلى نهايته المطلقة، والفسيلة
(النبتة الصغيرة) لن تنمو، ولن يستفيد منها إنسان ولا حيوان، ومع ذلك يطالبك النبي
ﷺ -إن حضرت هذا الوقت- بغرسها! لماذا؟ لأن القيمة ليست في أن تأكلي أنت أو غيرك من
ثمرها؛ بل في فعل الغرس نفسه؛ لأنه عبادة لله، واستجابة لأمره بإعمار الأرض إلى
آخر لحظة في عمر الإنسان أو عمر الأرض.
يقول
الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛
أي طلب منكم إعمارها إلى آخر نفس، دون أن يشترط عليكم ضمان خلودها.
صناعة
الأمل في أعتى الأزمات
تسألين
نفسك: «إيه لازمة أتجوز وأجيب أطفال لعالم رايح للدمار؟»، ولو نظرنا عبر التاريخ
البشري، لم يكن هناك عصر ضمن لنفسه السلامة والاستمرار. ففي القرن السابع الهجري
-على سبيل المثال- عند اجتياح التتار لبلاد المسلمين وسقوط بغداد عاصمة الخلافة
آنذاك، ظن الناس أن الساعة أوشكت على القيام وأن البشرية حان زوالها؛ ومع ذلك،
تزوَّج الناس، وأنجبوا، وأكلوا وشربوا، وعملوا، وزرعوا، وصنعوا، واستمرت الحياة،
ومن بين أولئك الأطفال الذين وُلدوا في تلك الظروف المظلمة خرج العلماء والقادة
الذين أعادوا بناء الحضارة.
يا
ابنتي، إننا لا ننجب الأطفال ليعيشوا في جنة على الأرض! فالأرض منذ أن خلقها الله
-سبحانه- وإلى قيام الساعة، دار ابتلاء وتمحيص وليست دار خلود. نحن ننجب الأطفال
لنغرس فيهم الصلاح وعبادة الله عز وجل، ويكونوا امتدادًا للخير والنور في هذا
العالم مهما كانت ظلمته. فربما الطفل الذي تنجبينه وتربينه على قيمة استخلاف الله
له في هذه الأرض، قد يكون هو العالم الذي يبتكر حلًّا لأزمة من أزمات الأرض
الحالية، أو المصلح الذي ينشر السكينة والاطمئنان في مجتمعه.
يقول
الله -تعالى- في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].
وتجهيز
شقتك واختيار أثاثك ليس عبثًا، بل هو تأسيس للسكن والمودة والرحمة التي شرع لنا
الزواج من أجل تحقيقها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّنْ أَنفُسِكمْ
أَزْوَاجًا لِّتَسْكنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21].
فافرحي
يا ابنتي بتفاصيل بيتك والإعداد لزواجك، واعتبريها طاعة الله، وخطوة لبناء أسرة
يكون لها دور إن شاء الله في إعمار هذا الكون وإصلاحه.
أنت
على ثغر عظيم
إن
تخصصك يا ابنتي في علوم البيئة هو وسيلة من وسائل تحقيق المقاصد الشرعية لحفظ
الضرورات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والعِرض، والمال)، فالإسلام يرفض الإفساد
في الأرض بكل صوره، وما حدث هذا الفساد في الكون إلا بسبب خروج الناس عن النواميس
الإلهية التي وضعها الله له، يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
فدراساتك
العليا يا ابنتي هي محاولة واعية لتفهمي هذا الفساد البيئي، وتقدمي حلولًا أو
توعية لحماية خلق الله. فحوِّلي نيتك في بحوثك من متابعة خطوات الدمار إلى الجهاد
العلمي لوقف هذا الدمار وإعادة إصلاح ما فسد، وبهذه النية يجعل الله كل ساعة
تقضينها في بحوثك في ميزان حسناتك بإذنه تعالى.
تفكيك
العلاقة بين سيناريوهات العلوم وقيام الساعة
ابنتي
الفاضلة، إن التقارير العلمية هي نماذج ظنية مبنية على معطيات بشرية وافتراضات قد
تتغير بالحلول والتكنولوجيا وتغير السلوك البشري. أما قيام الساعة فهو غيب إلهي
حتمي لا يعلم وقته إلا الله.
وعندما
سأل رجل النبي ﷺ: «متى الساعة؟»، لم يعطه النبي ﷺ تاريخًا ولا سرد له سيناريوهات؛
بل أعاده إلى الواجب العملي فورًا، وقال له: «ماذا أعددت لها؟» [متفق عليه].
إن
الحديث عن نهاية العالم في الإسلام لم يُشرع أبدًا لإصابة الناس بالإحباط أو الشلل
النفسي والعملي، وإنما شُرع ليكون دافعًا للاستقامة، ومُذكرًا بالآخرة، ومعينًا
على التخفف من الدنيا، مع الاستمرار في عمارة الأرض حتى اللحظة الأخيرة.
اقتراحات
عملية للخروج من هذه الحالة
1-
استحضار النيات الطيبة: في دراستك بالقيام بواجب الاستخلاف،
والإصلاح، وخدمة مجتمعك وعالمك ودينك، وفي زواجك بإدخال السرور على قلب أهلك وقلب
خطيبك، وتأسيس بيت مسلم عابد لله، يكون لبنة في الإصلاح والإعمار.
2-
تنظيم المعرفة وتصفيتها: لا تنغمسي في قراءة تقارير المناخ
والمقالات السوداوية خارج أوقات دراستك وعملك الأكاديمي المباشر، ولا تجعلي هذه
التقارير أول ما تطالعينه صباحًا ولا آخر ما تقرئينه مساءً؛ بل اجعلي لها وقتًا
محددًا لا تتجاوزيه، مع التركيز على التفكير الإيجابي في الإصلاح. وتجنبي تمامًا
متابعة الإصدارات أو الحسابات أو الصفحات التي تخلط التغيرات المناخية والبيئية
بنهاية العالم بتهويل وإحباط.
3-
التدرج في تجهيز بيت الزوجية: قسِّمي المهام إلى خطوات صغيرة على
مدار أيام، ودرِّبي نفسك على استشعار النعمة والامتنان لله أثناء القيام بهذه
المهام.
4-
ترجمة العلم إلى عمل نافع: إن القلق يتبدد بالعمل. فبدلًا من
الاستسلام لشعور الإحباط والعدمية، شاركي في مبادرات بيئية محلية بسيطة بالتعاون
مع غيرك (كغرس أشجار في حيك، أو تقليل استهلاك البلاستيك... إلخ). فهذه الممارسات
-وإن كانت بسيطة- تمنحك الشعور بالفاعلية والمقاومة الإيجابية.
5-
الدعاء والاستعاذة: داومي على دعاء النبي ﷺ: «اللهُمَّ إنِّي
أعوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والبُخلِ والجُبنِ،
وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبةِ الرِّجالِ» [رواه البخاري].
وختامًا
يا ابنتي، تذكَّري أن الله -عز وجل- لم يخلقك لتمسكي بزمام هذا العالم أو لتنقذي
الكوكب بمفردك، وإنما خلقك لتعبديه وتطيعيه في المساحة المتاحة لك. عيشي لحظتك،
وافرحي بزواجك، وابني بيتك، وأكملي دراستك بشغف، واغرسي فسيلتك وأنت مطمئنة إلى أن
الكون له رب حكيم لطيف يدبره، وأن رحمته وسعت كل شيء.
أسأل
الله -تعالى- أن يملأ قلبك أمنًا وإيمانًا، وأن يذهب عنك الحزن والهم، وأن يوفقك
في دراستك وزواجك، ويجعل حياتك مباركة حافلة بالخير والأمل والإنجاز، وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.
روابط
ذات صلة: