الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5543
09/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله..
أنا رجل 42 عاما، متزوج، حالي عجيب، فأنا في النهار ملتزم متدين أؤدي الفرائض وأحافظ على حدود الله، وأتقي الله في عملي، ولا آكل حرامًا ولا أظلم أحدًا، ولساني ينطلق بالذكر، وإن كنت مقصرا في النوافل وتلاوة القرآن؛ لكني في الليل والأوقات التي قد يصادف أن أكون فيها وحدي في المنزل تغلبني نفسي وشهوتي وأشاهد الأفلام الإباحية وأدخن أثناء مشاهدتها فقط، كل ذلك طبعا في غفلة من زوجتي وأولادي.
وفي الصباح أشعر بتأنيب الضمير والندم، وأعزم على عدم العودة لكني كل مرة أضعف. فهل أنا منافق؟ وماذا أفعل حتى أستقيم ولا أعود لهذه الأفعال وأكون مؤمنًا حقيقيًّا؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يفرِّج همك، ويشرح صدرك، ويطهر قلبك، ويحصن فرجك، وأن يسبل
عليك ستره في الدنيا والآخرة، وأن يرزقك ثبات الصالحين وصدق المخبتين، وبعد...
هل
أنت منافق؟
أقول
لك بكل ثقة ووضوح: لا يا أخي، لست منافقًا ذلك النفاق الذي يخرجك من الملة،
ولا ينبغي لك أبدًا أن تيأس من رحمة الله.
إن
النفاق الأكبر -والعياذ بالله- هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وكراهية الدين،
وبغض المؤمنين، والمنافق لا يتألم لذنبه، ولا يشعر بتأنيب الضمير، ولا يسعى للسؤال
عن حل لمشكلته كما فعلت أنت.
إن
ما تعاني منه يا أخي هو نوع من ضعف الإيمان، مع غلبة الشهوة في لحظات الخلوة،
وهو ما يُعرف بـ«ذنوب الخلوات».
أخي
الحبيب، إن فيك خيرًا كثيرًا: أداؤك للفرائض، وتقواك في عملك، وتحريك للحلال،
وبعدك عن الظلم، ولهج لسانك بالذكر، كل هذه حسنات عظيمة تؤجر عليها بإذن الله،
ولكن مشكلتك تكمن في هذا الثقب الذي في سفينة استقامتك، والذي ينفذ منه الشيطان في
أوقات الفراغ والعزلة.
يقول
الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا
وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102]. وأنت قد خلطت عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وحزنك وندمك في
الصباح هو دليل إيمانك، كما قال النبي ﷺ: «الندم توبة» [رواه ابن ماجة]. وقال
أيضًا ﷺ: «من سرَّته حسناته وساءته سيئته فذلك المؤمن» [رواه الترمذي].
لكن
في المقابل، يجب أن نحذر حذرًا شديدًا من الاستمرار في «ذنوب الخلوات»؛ لأنها تجرح
خشوع القلب، وتضعف هيبة الله في النفس. يقول النبي ﷺ: «لأعلمن أقوامًا من أمتي
يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله -عز وجل- هباءً
منثورًا»، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم،
ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [رواه
ابن ماجة].
وهذا
الحديث لا يعني أنهم منافقون نفاقًا كليًّا، بل يحذر من الاستهانة بستر الله،
واستصغار المعصية في السر.
لماذا
تقع في المعصية كلما خلوت؟
أخي
الغالي، إذا تأملتَ حالك فستجد أن المعصية مرتبطة لديك بعاملين رئيسيين:
1-
الخلوة والعزلة: فالشيطان يستفرد بالمنعزل، والحديث الشريف يقول:
«إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» [رواه أبو داود].
2-
الارتباط بين التدخين والمشاهدة: لقد ربطتَ عقلك بسلوك مزدوج
(مشاهدة مع تدخين) كنوع من تفريغ الضغط النفسي، أو البحث عن متعة سريعة وقت
الفراغ. والذنب يجر الذنب، والضعف يبدأ بخطوة بسيطة، كفتح الهاتف بغير هدف أثناء
العزلة، ثم تتدرج الأفكار حتى تقع المعصية تلو المعصية.
كيف
تستقيم وتكون مؤمنًا حقيقيًّا؟
للوصول
إلى الإيمان الحقيقي وتجاوز هذه الكبوة، أنصحك بالآتي:
1-
تجديد التوبة والدعاء: اعلم أن باب التوبة مفتوح، فقد قال
النبي ﷺ: «إن الله -عز وجل- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار
ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» [رواه مسلم]. فادعُ الله بصدق في
سجودك: «اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، اللهم طهِّر قلبي وحصِّن
فرجي».
2-
إحياء الخوف من الله واستشعار المراقبة: متى ما
حدَّثتك نفسك بالمعصية، تذكَّر أن الله يراك، وأن ملائكته تكتب، وتذكَّر فجأة
الموت وأنت على هذه الحال. قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ
مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108].
3-
زيادة النوافل والقرآن: التقصير في النوافل يترك فراغًا
روحيًّا؛ فاجتهد في المحافظة عليها، وأن تجعل لك وردًا يوميًّا ثابتًا من القرآن
ولو صفحة واحدة، وحافظ على ركعتين في الليل.
4- تجنب
الخلوة: إذا
خلت بك الدار، فلا تجلس وحدك. اخرج للمشي، أو لزيارة أقاربك.
5-
إبعاد أدوات المعصية: ضع حظرًا على المواقع الإباحية في هاتفك
وراوتر المنزل عبر تطبيقات الحماية. واترك الهاتف بعيدًا عن يدك وعن غرفة نومك عند
النوم.
6-
فك الارتباط بين التدخين والمشاهدة: بما أنك لا تدخن إلا أثناء
المشاهدة، فهذا يعني أن التدخين لديك ليس إدمانًا، فبمجرد إيقاف المشاهدة ستتخلص
من التدخين تلقائيًّا، والامتناع عن إحضار السجائر للمنزل خطوة أساسية.
7-
تعميق العلاقة الزوجية: افهم احتياجاتك العاطفية والجسدية،
واحتمِ بحلالك الذي رزقك الله إياه. قال النبي ﷺ: «فإذا أبصَرَ أحَدُكُمُ امرَأةً
فليَأتِ أهلَه؛ فإنَّ ذلك يَرُدُّ ما في نَفسِه» [رواه مسلم].
8-
أتبع السيئة الحسنة: إذا ضعفت مرة فلا تجعل الشيطان يوقعك في
الفخ الأكبر وهو اليأس؛ بل قم فورًا، وتوضأ وصَلِّ ركعتين، وأتبع السيئة الحسنة
لتُمحى، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت من امرأة كل شيء
إلا أني لم أنكحها (أي وقع في مقدمات الفاحشة)، فأنزل الله الآية: ﴿وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟ قال:
«لمن عمل بها من أمتي» [رواه البخاري ومسلم].
فانظر
كيف فتح الشرع باب الأمل والتدارك بالحسنات والعمل الصالح، ولم يغلقه أمام من
ألمَّ بذنب ثم ندم واستغفر.
وختامًا
أخي الفاضل، استعن بالله ولا تعجز، وتيقَّن أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا
منه، وأن للعفة حلاوة يجدها المؤمن في قلبه.
أسأل
الله أن يطهر قلبك، وأن يعصمك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلك قرة عين
لزوجتك وأولادك، وأن يثبتك على الحق حتى تلقاه وهو راضٍ عنك.
روابط
ذات صلة:
المشاهد الإباحية تلاحقه في صلاته.. كيف ينساها؟
كيف يتخلص التائب من الانتكاس المتكرر في مشاهدة الإباحيات؟