كيف نُفرِّق بين الرضا الحقيقي وتبرير التقصير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 5062
12/06/2026

ما الفرق بين الرضا المشروع وبين التعلل بالقدر لتبرير التقصير أو التوقف عن السعي؟

الإجابة 12/06/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يرزقك علمًا نافعًا ويقينًا صادقًا يُثمر عملًا صالحًا في دينك ودنياك، وبعد...

 

فإن التباس مفاهيم كل من القدر والرضا والتبرير والسعي... في أذهان الناس، شكَّل قديمًا وحديثًا ثغرة دخل منها الكسل، وتسلل عبرها التقاعس تحت غطاء التدين الزائف، في حين أن الفهم الصحيح كان هو الوقود المحرِّك لأجيال سبقتنا ليفجروا ينابيع العلم والعمل في الأرض.

 

وفي السطور التالية، نبسط -بإذن الله- القول في تفكيك هذا اللبس، وتوضيح الفروق الجوهرية بين هذه المفاهيم.

 

أولًا- الرضا المشروع

 

إن الرضا المشروع ليس حالة من الاستسلام السلبي؛ بل هو مقام قلبي رفيع، يمتلئ فيه قلب العبد بالطمأنينة لعدل الله وحكمته، بعد أن يكون قد بذل كل ما في وسعه من أسباب. فالرضا مواساة نفسية للمؤمن عند فوات النتائج بعد استفراغ الجهد، وليس مبررًا لعدم السعي ابتداءً.

 

يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]. وورد في تفسيرها: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم».

 

ويقول رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلُّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه مسلم].

 

والرضا بهذه الصورة يحمي الإنسان من الإحباط والانكسار واليأس، مما يمنحه القوة النفسية لمعاودة المحاولة من جديد.

 

ثانيًا- التعلل بالقدر

 

أمَّا التعلل بالقدر لتبرير الفشل أو التوقف عن السعي، فهو تواكل وهروب، يبحث فيه الإنسان عن «شماعة» يلقي عليها لوم تقصيره وكسله، لتجنب الشعور بالذنب أو النقص. وهذا المسلك مذموم شرعًا، ومخالف للفطرة السوية، وهو شبيه بمسلك المشركين الذين عابهم القرآن: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: 148].

 

وقد ضع النبي ﷺ المنهج الصارم في التعامل مع القدر والسعي بقوله: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم].

 

فنجد أن النبي ﷺ لم يُجز للمؤمن أن يقول: «قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» إلا بعد أن يحقق الشروط الثلاثة الأولى: (الحرص على النافع، والاستعانة بالله، وترك العجز والكسل). أما من يعجز أولًا ثم يتحجج بالقدر، فقد قلب الميزان!

 

وأقبل رجل على النبي ﷺ يركب ناقة له، فقال: يا رسول الله، أُطلقها وأتوكل، أو أعقلها وأتوكل؟ فقال له النبي ﷺ بعبارته الحكيمة الجامعة: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي]. فعقل الناقة (ربطها) هو الأخذ بالسبب، والتوكل والرضا بنتيجته هو الإيمان بالقدر. ومن تركها من غير ربط فضاعت، ثم قال: «هذا قدر الله»، فقد أساء الأدب مع القدر.

 

وعندما خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وبلغه أن الوباء قد وقع بها، استشار الصحابة ثم قرر عدم دخولها والعودة بالمسلمين. فجاءه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه معترضًا ومستغربًا وقال: «أفرارًا من قدر الله؟» فرد عليه الفاروق عمر بفقهه العالي: «نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟» [رواه البخاري]. فلم يستسلم عمر للمرض والهلاك بحجة الإيمان بالقدر؛ بل اتجه للسلامة والأخذ بأسباب الوقاية.

 

ومن واقعنا الحالي أضرب لك هذا المثال: طالب ذاكر طوال العام، وسهر الليالي، وبذل كل جهده؛ لكنه ليلة الامتحان أصيب بوعكة طارئة منعته من التركيز، فجاءت نتيجته دون المتوقع. هذا الطالب يقول: «الحمد لله، هذا قدر الله وما شاء فعل، راضٍ بقضاء الله وسأستدرك في الفصل القادم». هذا رضا مشروع.

 

وطالب آخر أمضى العام في اللعب والتسويف ومشاهدة الشاشات، ولم يفتح كتابًا، فلما رسب قال: «هذا قدري المكتوب عليَّ في اللوح المحفوظ قبل أن أُخلق، ولا راد لقضاء الله!». هذا تواكل وتعلل مذموم، وجناية على القدر.

 

ثالثًا- الفروق الجوهرية بين المفهومين

 

تتجلى الفروق الجوهرية بين الرضا المشروع والتعلل بالقدر في أربعة محاور أساسية تشكِّل وعي الإنسان وسلوكه:

 

1- التوقيت الزمني:

 

الفرق الأول والأهم يكمن في توقيت استدعاء مفهوم القدر؛ فالرضا المشروع يمثل مرحلة لاحقة؛ إذ لا يظهر في نفس العبد إلا بعد أن يستفرغ وسعه تمامًا ويبذل كل الأسباب المتاحة أمامه لتطوير نفسه أو حل مشكلته. أما التعلل بالقدر فهو حيلة تظهر في مرحلة سابقة أو في أثناء العمل، حيث يتخذه الشخص ذريعة مسبقة وعذرًا جاهزًا للهروب من مشقة السعي وتكلفة التعب.

 

2- الأثر النفسي:

 

ينعكس المفهومان على باطن الإنسان بطريقتين متناقضتين؛ فالرضا المشروع يثمر في القلب طمأنينة وسكينة وراحة نفسية عميقة، ويجعل المرء متفائلًا ومستعدًا لتقبل قضاء الله دون سخط. وفي المقابل، نجد أن التعلل بالقدر لا يورث في صاحبه إلا الخمول، والإحباط، والشعور بالدونية، كونه يكرس عقلية الضحية التي تبرع في إلقاء اللوم على الظروف الخارجية والقدر، والتهرب من مواجهة الحقائق.

 

3- السلوك العملي:

 

تظهر ثمرة الفهم الصحيح مباشرة على حركة الإنسان في الحياة؛ فالرضا المشروع يمثل طاقة تحفز الشخص على النهوض مجددًا، وإعادة المحاولة بوعي، والتعلم من أخطاء التجربة السابقة. أما التعلل بالقدر فيقود المرء إلى الجمود التام والتوقف عن السعي، مما يجعله يكتفي بمراقبة الأحداث وتكرار تجارب الفشل دون أي محاولة للتغيير.

 

4- المنطلق النفسي:

 

إذا فككنا الجذور النفسية والإيمانية لكل منهما، فسنجد أن الرضا المشروع ينبع من تعظيم حكمة الله -سبحانه- والثقة العميقة في تدبيره الخفي ورحمته بعباده. بينما يتغذى التعلل بالقدر على اتباع الهوى، والالتفاف حول التقصير الشخصي، ومحاولة مستميتة لتبرير العجز والكسل، وإلباسهما ثوب القدر غشًّا وزورًا.

 

رابعًا- اقتراحات عملية

 

إذا أراد الإنسان أن يتخلص من آفة التعلل بالقدر ويتحول إلى الرضا الإيجابي المثمر، فعليه اتباع الخطوات التالية:

 

1- المحاسبة الصارمة للذات: قبل أن تقول: «هذا قدري»، اسأل نفسك بكل صدق: هل بذلتُ جهدي وطاقتي؟ إن كان الجواب: «لا»، فاعلم أن النتيجة هي حصاد تقصيرك وليست مجرد قدر فُرض عليك دون سبب منك.

 

2- فصل السبب عن النتيجة: اجعل شعارك في الحياة: «أنا مسؤول عن السعي والعمل، والله وحده مسؤول عن النتائج». ركِّز كامل طاقتك على ما تملكه (وهو السعي) واترك ما لا تملكه لمن يملكه (وهو الله سبحانه).

 

3- تدريب النفس على المرونة: إن الفشل في خطة ما لا يعني نهاية الطريق. فالمؤمن بالقدر يعلم أن إغلاق باب يعني فتح أبواب أخرى؛ لذا فعند تعثر أي سعي، بادر فورًا بدراسة الأخطاء، وسلوك طريق آخر مستعينًا بالله، متذكرًا أن السعي بحد ذاته عبادة تؤجر عليها بغض النظر عن النتيجة.

 

4- الدعاء: واظب على الأذكار النبوية التي تعالج العجز؛ كقوله ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ» [رواه البخاري]؛ فالعجز والكسل هما التربة الخصبة التي ينبت فيها التعلل بالقدر.

 

وختامًا أخي الكريم؛ إن الإيمان بالقدر هو أعظم طاقة محفزة للإنسان؛ لأنه يحرره من الخوف من المستقبل، ومن الحزن على الماضي، ويجعل حركته في الحياة متزنة وثابتة. بينما التعلل بالقدر يحولك إلى إنسان سلبي مهزوم يعيش على هامش الحياة.

اجعل شعارك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39 و40].

 

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال. اللهم ارزقنا قلوبًا راضية بقضائك، مستسلمة لأمرك، وألسنة ذاكرة شاكرة، ونفوسًا مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف نوازن بين «الرضا» والإحباط من فقدان النِّعَم؟

هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

هل يتنافى القلق النفسي مع الرضا بالقضاء والقدر؟

كيف أميِّز بين التوكل والتواكل وهل يتعارض الطموح مع الرضا؟

كيف أميز بين الرضا بالقضاء والاستسلام للأمر الواقع؟

الرابط المختصر :