كيف نُصلح أثر التراشق الدعوي في نفوس المهتدين الجدد؟

Consultation Image

الإستشارة 21/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أعمل في مكتبٍ لتعريف غير المسلمين بالإسلام، وبفضل الله يُسلم على أيدينا كثيرون. غير أننا نواجه إشكالًا مؤلمًا؛ فبمجرد أن ينطق الإنسان بالشهادتين، تتسابق إليه جماعات دعوية متعددة، كل فريق يسعى إلى جذبه، ويُصوِّر له أن منهجه هو «الإسلام الصحيح»، وأن غيره على خطأ أو انحراف.

هذا التنازع العلني أمام مهتدٍ لم يجف حبر شهادته بعد، أدّى إلى انتكاس بعضهم، وإلى شعور آخرين بأن الإسلام ليس «أمةً واحدة» كما قرؤوا عنه، بل أحزابا متنافرة، فكيف نحمي هؤلاء المهتدين من آثار هذا التنازع؟ وكيف نُصلح ما خلّفه هذا التراشق الدعوي في نفوس الداخلين الجدد في دين الله؟

الإجابة 21/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بك، وبجهادك المبارك في هذا الثغر الحساس. وما ذكرتَه ليس أمرًا عارضًا، بل هو من أخطر الإشكالات الدعوية المعاصرة؛ إذ يتحوّل بعض الدعاة -من حيث لا يشعرون- من وسائل تثبيتٍ إلى أسباب تنفير، ومن أدوات بناءٍ إلى معاول هدم.

 

وإليك بيانًا منهجيًّا جامعًا لعلاج هذه المعضلة:

 

أولًا: جنايةُ التنازع على المهتدين الجدد

 

المهتدي الجديد يدخل الإسلام وقلبه صفحة بيضاء، يبحث عن السكينة، والوحدة، والرحمة. ينظر إلى الداعية بوصفه صورةً للإسلام نفسه، لا مجرد ناقلٍ عنه، فإذا فوجئ بتراشقٍ، وتبديعٍ، وتخوينٍ متبادل، أصيب بصدمةٍ إيمانية ونفسية؛ إذ يرى ما لا ينسجم مع الصورة التي أحبها عن هذا الدين، وهنا يتحقق قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فهذا التنازع هو الحالقة التي قد تحلق الإيمان الغضّ من قلب المهتدي قبل أن يتمكّن ويترسّخ.

 

ثانيًا: جذورُ المشكلة – التعصّب وحبّ التصدّر

 

جذور هذا الخلل تعود إلى آفتين خطيرتين:

 

1. التعصّب الفكري أو الجماعي: وهو نصرة منهج أو جماعة لا باعتباره وسيلة، بل باعتباره غاية، ولو كان ذلك على حساب مصلحة الإسلام العامة، ووحدة الصف.

 

2. حب الظهور والمنافسة غير المنضبطة: حيث يُتعامل مع المهتدي الجديد كأنه «غنيمة دعوية» أو رقم يُضاف إلى رصيدٍ شخصي، مع نسيان أن الهداية بيد الله، وأن القبول والتوفيق منه وحده، وصدق من قال: حبّ الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصالحين.

 

ثالثًا: منهجُ الوقاية والإصلاح – خارطة الطريق

 

1) إرساء فقه (الإسلام الشامل)، يُعلَّم المهتدي الجديد أن الإسلام هو الكتاب والسنة، وأن ما يراه من اختلاف الدعاة هو اختلاف بشري لا يمسّ جوهر الدين، ويُربَّى منذ البداية على أنَّ الردّ عند التنازع يكون إلى الله ورسوله، لا إلى الأشخاص ولا إلى الجماعات..

 

2) ترسيخ معنى (وحدة الأمة)، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، فمن واجب الدعاة إظهار صورة الائتلاف، والسعي الجاد إلى إزالة القطيعة بينهم -أو على الأقل سترها- حفاظًا على قلوب الداخلين الجدد في الإسلام.

 

3) الالتزام بالقول اللين والعدل: إذا كان الله قد أمر بالقول اللين حتى مع فرعون، فكيف لا يُلتزم به مع مهتدٍ جديد ضعيف العهد بالإسلام؟ والعدل يقتضي ألا يُسقِط داعيةٌ غيره أو يُشوّه صورته أمام المهتدي، فإن ذلك من أعظم البغي في ميدان الدعوة.

 

رابعًا: خطواتٌ عملية لحماية المهتدي الجديد

 

* بناء حصانة عقدية مبكّرة: ابدأ بالأصول المتفق عليها، وأجّل الخلافات الفقهية والمنهجية، فالتدرّج في التعليم ضرورة لا ترفًا.

 

* القيام بدور الإصلاح بين الدعاة: بادر بدعوة المتنازعين، وذكّرهم بأن ما يفعلونه هو من إفساد ذات البين، وأن الشيطان يفرح بتنازعهم أكثر مما يفرح بكفر الكافر.

 

* توفير بيئة إيمانية دافئة: احرص على أن يعيش المهتدي الجديد تجربة الإسلام من خلال أخلاقه العملية: مودة، وألفة، وتعاون، ليترسّخ في قلبه أن هذا الدين يصنع قلوبًا متآخية قبل أن يصنع عقولًا مجادلة.

 

خاتمة ونصيحة جامعة

 

كن أنت الدرع الحامي لهذه الغراس الغضّة، ولا تسمح بتحويلها إلى ساحة صراع أو مادة للمساجلات، وعلّم المهتدي القاعدة الذهبية: (يُعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال)، وتذكّر دائمًا أن تأليف قلب مهتدٍ واحد أعظم أجرًا من الانتصار في مئات المعارك الكلامية؛ فالداعية الموفّق هو من جمع القلوب على الله، لا من كسب الجدل وخسر النفوس، ونسأل الله تعالى أن يثبت المهتدين الجدد، وأن يؤلف بين قلوب الدعاة، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.

روابط ذات صلة:

تعليم المهتدين الجدد على ضوء اختلاف المذاهب الفقهية

التيسير مع المهتدين الجدد.. حدود المراعاة وضوابط التدرج

رعاية المهتدين الجدد والوقاية من الانتكاسة الدعوية

برنامج دعوي لتثبيت المهتدين الجدد على الإسلام

الرابط المختصر :