الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
18 - رقم الاستشارة : 6066
07/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومستشارة أسرية، وألاحظ في الآونة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الاكتئاب والقلق النفسي بين أفراد المجتمع، وخاصة بين النساء والشباب، نتيجة الضغوط الحياتية المتزايدة، والمشاكل الأسرية والاجتماعية، والتفكير المفرط في المستقبل، والتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه من صور مثالية للحياة.
وهذه الحالات تؤدي إلى شعور المصابين باليأس والقنوط، وفقدان الأمل في الحياة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى التفكير في الانتحار، أو اللجوء إلى المخدرات والمسكرات كوسيلة للهروب من الواقع، مما يشكل خطرًا كبيرًا على الفرد والمجتمع.
كيف يمكنني كداعية ومستشارة أن أقدم الدعم النفسي والروحي لهذه الفئة، وأن أساعدهم على تجاوز هذه الأزمات، وأغرس في قلوبهم الأمل والتفاؤل والرضا بقضاء الله وقدره، وأوجههم نحو الحلول الشرعية التي تعيد إليهم توازنهم النفسي والروحي؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أختي الكريمة، حياك الله، وجزاك خيرًا على هذا الاهتمام
النبيل بفئة تعاني في صمت، وتحتاج إلى من يمد لها يد العون والرحمة.
إن حالات
الاكتئاب والقلق النفسـي هي من أخطر الأمراض التي يعاني منها المجتمع المعاصر، وهي
نتيجة طبيعية للابتعاد عن الله تعالى، والانشغال بالدنيا وتفاهاتها، وضعف الإيمان
والقناعة، وفقدان الأمل والطمأنينة، وهي دعوة صريحة للعودة إلى الله تعالى،
والتمسك بمنهجه القويم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)، فالطمأنينة الحقيقية لا تكون إلا
بالله، والتوكل عليه، والإيمان بقضائه وقدره، والإقبال على الآخرة والرجاء في
رحمته.
وإليك أختي
الكريمة خطة عملية للتعامل مع هذه الحالات:
1. التأصيل
الشرعي لمشكلة الاكتئاب والقلق: لا تنظري إلى الاكتئاب على أنه
مجرد مرض نفسي، بل هو حالة روحية ونفسية تحتاج إلى علاج متكامل يجمع بين الجانبين.
بيّني للمصابين أن هذه المشاعر طبيعية وقد تكون ابتلاء من الله لرفع الدرجات
وتكفير السيئات، وأن المؤمن يمر بفترات من الحزن والضيق، ولكن الفرق بينه وبين
غيره أنه لا ييأس ولا يقنط، بل يتوكل على الله ويسأله الفرج والعون، قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ﴾.
2. العلاج
الإيماني والروحي: التركيز على العلاج الإيماني والنفسي،
وذلك من خلال:
O العبادة والطاعة: حث المصابين على الالتزام بالصلوات الخمس في أوقاتها،
وقراءة القرآن الكريم بتدبر وخشوع، والإكثار من الذكر والدعاء، والاستغفار،
والصيام، وقيام الليل، فهذه العبادات هي غذاء الروح، وتجلب السكينة والطمأنينة
للقلب، وتزيل الهموم والغموم، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ
اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» (رواه
الترمذي).
O التوكل والرضا: تعليم المصابين معنى التوكل على الله، والرضا بقضائه
وقدره، وأن كل ما يحدث هو خير لهم، وأن الله لا يبتليهم إلا بما هو خير لهم، وأن
بعد العسر يسرًا، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5)، وهذا
يزرع في قلوبهم الأمل والتفاؤل ويزيل القلق والتوتر.
O اليقين بحسن عاقبة المؤمن: تذكيرهم بأن عاقبة المؤمن خير في الدنيا
والآخرة، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأن الجنة هي دار الخلود والنعيم،
وهذا يخفف من وطأة الألم والضيق، ويجعلهم ينظرون إلى الحياة بنظرة أوسع وأعمق، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (البروج: 11).
3. الدعم النفسي
والمشورة الفردية: قدّمي لهم جلسات استشارية فردية، تستمعين
فيها إلى مشاكلهم وهمومهم بصبر وأناة، وتشاركينهم أحزانهم، وتوجهينهم نحو الحلول
المناسبة، وترفعين عنهم الشعور بالوحدة والعزلة، وتشعرينهم بأن هناك من يهتم بهم
ويفهم معاناتهم، وهذا بحد ذاته علاج نفسي قوي، وكما قال النبي ﷺ: «لَا يَفْقَهُ
الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلنَّاسِ عُذْرًا فِي مَعَاصِيهِمْ»
(رواه الطبراني).
4. تعديل النظرة إلى الحياة: ساعديهم على تعديل نظرتهم إلى الحياة، بأنفسهم ومشاكلهم، من خلال برامج التوعية
النفسية التي تركز على نقاط القوة في شخصياتهم، واستثمار طاقاتهم في العمل النافع،
وتحويل الطاقة السلبية إلى طاقة إيجابية، وإعادة صياغة أفكارهم السلبية إلى أفكار
إيجابية، فالتفكير الإيجابي علاج نفسي عظيم، وهو منهج قرآني أصيل، قال تعالى:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
5. الربط بين الأسباب والعلاج: ساعدي المصابين على فهم الأسباب الحقيقية للاكتئاب والقلق لديهم، وربطها بالحلول
المناسبة، سواء كانت أسبابًا مادية كالديون والضائقة المالية، أو أسبابًا أسرية
كمشاكل الزواج، أو أسبابًا اجتماعية كالوحدة والعزلة، أو أسبابًا نفسية كالتفكير
السلبي والشعور بالفشل، وقدمي لهم خطوات عملية للتغلب على هذه الأسباب، بالتدرج
والصبر والحكمة، واستشيري الخبراء في كل مجال.
6. الشبكات
الاجتماعية الداعمة: شجّعي المصابين على الانخراط في الأنشطة
الجماعية، وحضور مجالس الذكر وحلقات العلم، والتطوع في الأعمال الخيرية، فهذا
يربطهم بالآخرين، ويكسر حاجز الوحدة والعزلة، ويشعرهم بأنهم جزء من مجتمع نابض
بالحياة، كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ
وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى
مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه
مسلم).
7. التعاون مع
المختصين: لا تترددي في تحويل الحالات الشديدة التي تحتاج إلى تدخل دوائي أو علاج نفسي متخصص
إلى الأطباء والمعالجين النفسيين، فالداعية ليس بديلاً عن الطبيب، بل هو مكمل له
في الجانب الروحي والإيماني، وهذا من تمام النصح والتكامل في العلاج، والله تعالى
هو الشافي، ولكن على العبد أن يأخذ بالأسباب، وأن يتوكل على الله.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• تحلي بالصبر والرحمة والتعاطف مع المصابين،
ولا تنظري إليهم نظرة دونية أو ازدراء، بل عامليهم بكرامة واحترام، وكوني مستمعًا
جيدًا لهم، فهذا هو الطريق الأقصر لقلوبهم.
• ادعي لهم دائمًا
بالشفاء والعافية، وتذكري أن الدعاء هو السلاح الأقوى في مواجهة كل داء، وأن الله
هو الشافي المعافي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
وأسأل الله
العظيم أن يبارك في جهودك، وأن يجعل عملك هذا سببًا في شفاء الكثيرين، وأن يمن على
المصابين بالصحة والعافية، وأن يقر أعينهم بذلك، إنه سميع مجيب.
روابط ذات صلة:
القلق لماذا أصبح سمة الإنسان المعاصر؟