فرصة عمل بالخارج وأمه الأرملة حزينة لفراقه.. ماذا يختار؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 5353
18/07/2026

أنا شاب غير متزوج تخرجت حديثا وأعمل في إحدى الشركات براتب جيد بالنسبة لسني وخبرتي، والدي متوفى وأعيش مع أمي وشقيقتي الطالبة بالثانوية، ولي شقيقة كبرى متزوجة.

جاءتني فرصة للعمل بالخارج في مكان جيد وراتب أفضل كثيرا، لكني لما عرضت الأمر على أمي تغير وجهها وشعرت بحزنها الشديد، ورغبتها في أن أظل بجانبها، رغم أني ما زلت في مقتبل حياتي وأريد تكوين نفسي للزواج بما يحتاجه من سكن وأثاث ومهر وراتب جيد، إلى آخره. وطبعا لو ظللت في بلدي فإن راتبي الحالي لن يحقق لي هذا إلا بعد فترة وبصعوبة شديدة، خصوصا أني ليس لدي ميراث عن والدي سوى معاشه القليل الذي هو من حق أمي وشقيقتي الصغرى، وأكمل عليه من راتبي أصلا لتغطية مصاريف البيت ودروس أختي.

أمي لم تأمرني بشكل مباشر بعدم السفر، لكني شعرت بحزنها وخوفها وقلقها، وحاولت تطمينها وشرح الأمر لها، وأني سأكون معها في كل وقت عبر وسائل التواصل التي أصبحت ميسرة جدا الآن؛ لكنها ظلت على حالها، ويجب أن آحذ قرار بشكل سريع حتى لا تضيع هذه الفرصة مني.

ماذا أفعل؟ هل أسافر ومع الوقت ترضى أمي وتطمئن؟ أم أراعي حزن أمي وأمكث في بلدي على ما سيسببه هذا لي من مشقة وتأخر؟

الإجابة 18/07/2026

مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يوفقك لما يحبه ويرضاه، وأن يفتح لك أبواب الرزق الحلال المبارك، وأن يشرح صدر والدتك ويقر عينها بك، وأن يلهمك القرار الرشيد الذي يجمع لك بين خيري الدنيا والآخرة، وبعد...

 

فيا بني، إنك تقف اليوم في مرحلة مفصلية يمر بها معظم الشباب حديثي التخرج؛ مرحلة تتصادم فيها الطموحات المشروعة لبناء المستقبل وتكوين الذات، مع الواجبات الاجتماعية والعاطفية تجاه الأسرة، خصوصًا عندما تكون أنت الرجل المسؤول بعد وفاة والدك رحمه الله.

 

إن الفرصة التي أُتيحت لك هي رزق وسعي مشروع، وحزن والدتك وقلقها هو عاطفة فطرية مبررة. ونحن هنا لا نفاضل بين خير وشر، بل نفاضل بين خيرين: خير بناء نفسك وإعفافها بالزواج والقدرة على العيش الكريم، وخير القرب من أمك وجبر خاطرها وطمأنتها.

 

الأبعاد الشرعية للمسألة

 

لقد عظَّم الإسلام حق الوالدين، وجعل برَّهما قرين عبادته -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. والأم على وجه الخصوص لها النصيب الأوفر من هذا البر والرعاية، كما جاء في الحديث الشريف عندما سأل رجل رسول الله ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أُمُّكَ» قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ» قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ» قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أَبُوكَ» [متفق عليه].

 

وفي حالتك غاب الأب، فصارت الأم أكثر حاجة للأمان النفسي قبل المادي. والسفر لطلب الرزق الحلال وبناء النفس هو عبادة وسعي مشكور، لكن الفقهاء والعلماء اشترطوا في السفر لغير الفرض ولغير الضرورة (كالحج الواجب أو الجهاد المتعين) ألا يتسبب في ضياع الوالدين أو إدخال حزن شديد وغير محتمل على قلبيهما؛ خصوصًا إذا كانا بحاجة إلى الابن.

 

وقد ورد في السنة النبوية مواقف شديدة الوضوح في هذا الباب؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قال: نعم، قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [متفق عليه]. وفي رواية أخرى أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟» قال: أَبَوَايَ، قال: «أَذِنَا لَكَ؟» قال: لا، قال: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» [رواه أبو داود].

 

بناءً على ذلك، فالسفر دون رضا الأم أو مع تركها في حالة حزن شديد وانكسار، قد ينزع البركة من هذا الرزق الجديد، فالبركة تدور مع رضا الوالدين.

 

تحليل موقف الوالدة

 

حتى تفهم سبب تغير وجه أمك وحزنها، دعنا ننظر إلى الأمر من منظورها هي لا من منظورك أنت. إن أمك امرأة ذاقت مرارة الفقد بوفاة زوجها، وتزوجت ابنتها الكبرى، ولم يبقَ معها في البيت سوى ابنة في سن المراهقة وأنت. فأنت في نظرها لست مجرد ابن، أنت «رجل البيت»، والسند الذي تشعر معه بالأمان في غياب الأب. وسفرك يعني خلو البيت من الرجال، وهذا يولِّد لدى المرأة هلعًا من الطوارئ (المرض، الأزمات، المسؤوليات اليومية).

 

إن الأم يا ولدي يقينًا تحب لك الخير وسعة الرزق واكتمال السعادة؛ لكنها لا تشبعها من ولدها شاشة الهاتف ورسائل «الواتساب»؛ إنها تحتاج إلى رؤيتك تأكل معها، وتتحدث إليها، وتضمك إليها، وتستند إلى كتفك عند التعب.

 

لذا، فإن صمتها وعدم أمرك بالبقاء صراحة هو رقي منها حتى لا تقف في طريق مستقبلك؛ لكن دموعها وحزنها المكتوم هما نداء استغاثة صامت لقلبك البار.

 

يُروى في الأثر عن التابعي الجليل أويس القرني -الذي قال عنه النبي ﷺ إنه خير التابعين- أنه حرم نفسه من الهجرة ورؤية النبي ﷺ والصحبة، ليبقى بجوار أمه المريضة يخدمها ويبرها. فرفع الله ذكره في الأرض والسماء ببره بأمه، وعوَّضه الله خيرًا مما فاته.

 

مقترحات عملية لحل الأزمة

 

يا بني، نعم، إن الفرص قد تعوَّض، ولكن قلب الأم إذا انكسر أو رحلت وهي غير راضية تمامًا، فإنه لا يعوَّض. ومع ذلك، أنا لا نريد لك الاستسلام للمشقة؛ بل أريد التوفيق بين الأمرين لتتحقق المصلحتين بإذن الله. لذا أقترح عليك الآتي:

 

1- صلاة الاستخارة: الآن وفورًا وقبل أي شيء، صَلِّ استخارة مرة واثنتين وثلاثًا، وانظر ما يشرح الله له صدرك، وراقب الأحداث؛ فإذا تيسرت إجراءات السفر، واقتنعت والدتك ورضيت، فهذه علامة إذن، وإن تعسرت الإجراءات وزاد حزنها، فاعلم أن الخير في البقاء.

 

2- جلسة مصارحة واستعطاف: اختر وقتًا مناسبًا، وقبِّل رأسها ويدها، وقل لها كلامًا يطمئن خوفها، من قبيل: «يا أمي، أنا لن أسافر إلا إذا كنتِ راضية وسعيدة، فمستقبلي لا قيمة له بغير رضاك».

 

اشرح لها هدفك بوضوح: «أنا لا أريد فراقك؛ بل أريد السفر لمدة قصيرة، لأجمع مالًا أعود به لأتزوج وأستقر بجانبك، وأؤمِّن مصاريف دراسة أختي».

 

ولا بأس في أن تستعين بأحد أقاربك ليقنعها ويطمئنها، ولا شك في أن والدتك إن استشعرت أن في سفرك مصلحة لك وفائدة، فإنها ستغالب مشاعرها حرصًا عليك وعلى مصلحتك، وستنال منها الرضا بإذن الله.

 

3- وضع بدائل مطمئنة:

 

إذا رأت أمك أنك رتبت كل شيء في غيابك، فقد يقل خوفها. اعرض عليها حلولًا مثل الاتفاق مع خالك أو عمك أو أحد أقاربكم الثقات ليكون مشرفًا على البيت وقريبًا منهم في الطوارئ. مع تخصيص مبلغ شهري ثابت ومجزٍ من راتبك الجديد يُحوَّل لها بانتظام لتأمين المعيشة والدروس وبعض الرفاهية، بحيث تشعر بانفراج مالي ينسيها جزءًا من التعب النفسي.

 

4- الاجتهاد في البحث عن عمل أفضل في بلدك:

 

قبل أن تأخذ قرار السفر، كثِّف البحث في بلدك؛ ففي كثير من الأحيان، عندما يرى الله صدق العبد وتركه لأمرٍ ما لأجل بر والديه، يفتح له بابًا في بلده براتب لم يكن يتوقعه، عملًا بالحديث الشريف: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» [رواه أحمد]. حتى لو كان راتب العمل الذي سيتوفر في بلدك أقل مما سيأتيك في سفرك، فهناك اعتبارات أخرى مادية ومعنوية ستتوفر لك قد تعوض هذا. المهم أن تحسب الأمور جيدًا وشكل موضوعي.

 

إن الراتب الأقل في بلدك مع بركة رضا الأم سينمِّيه الله، وسيفتح لك أبوابًا وتسهيلات في زواجك وبيتك لا تخطر لك على بال. أما الراتب الكبير في السفر مع دموع الأم وحزنها وعدم رضاها، فقد يذهب في أسقام أو خسائر أو ضيق صدر، عافاك الله.

 

وختامًا يا بني، إن الله مُطَّلع على قلبك، ويعلم عفتك ورغبتك في الحلال وتأمين أهلك، ولن يضيعك الله أبدًا ما دمت متمسكًا بباب البر. اجعل رضا أمك بوصلتك، وثق بأن الرزق بيد الله وحده، وأنه الرزاق في كل مكان وزمان.

 

اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، يا منان يا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تشرح صدر هذا الشاب الصالح، وأن تلهمه رشده، وتيسر له أمره. اللهم اكتب له الرزق الواسع المبارك حيتما كان، واجعل التوفيق حليفه في دينه ودنياه. اللهم حنن قلب والدته عليه، واجمع شملهم على الخير والرضا، واكفه بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.

 

روابط ذات صلة:

أيهما أولى: السفر للدكتوراه أم البقاء لرعاية الوالد المريض؟

بين فرصتي الذهبية.. ورفض والدي لسفري أقف حائرة!!!

الرابط المختصر :