الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 6147
19/10/2026
زوج غاضب أرسل لزوجته رسالة صوتية عبر الواتساب تحتوي على يمين طلاق، وبعد ثوانٍ تراجع واستخدم خاصية "حذف للجميع" قبل أن تفتحها، لكن الزوجة كانت قد استمعت إليها عبر تطبيق خارجي يحفظ الإشعارات. هل يقع الطلاق بمجرد إرسال الصوت أم يُلغى بالحذف؟ وهل تُعامل الرسالة الرقمية المحذوفة معاملة الخطاب البريدي الورقي الذي تم تمزيقه قبل وصوله؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الزواج
ميثاق غليظ، والطلاق من الأمور العظيمة التي أحاطتها الشريعة الإسلامية بضوابط
صارمة، وجعلت ألفاظها مما يُحمل على محمل الجد، لقوله ﷺ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ
جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ». وفي العصر
الحديث، طرأت أحداث تتعلق باستخدام وسائل التواصل ومنها الرسائل الصوتية وتطبيقات
المراسلة، والحكم في هذه النوازل يُردُّ إلى الأصول الشرعية الثابتة، مع مراعاة
الحالة النفسية للمُطلِّق وقت التلفظ باليمين.
اختصارًا:
·يقع الطلاق بمجرد
نطق الزوج به وتسجيله في الرسالة الصوتية مختارًا قاصدًا، ولا يُلغى التلفظ بخاصية
"حذف للجميع"؛ لأن التراجع بعد صدور لفظ الطلاق غير معتبر شرعًا.
·عِلمُ الزوجة
بالطلاق أو سماعها للرسالة ليس شرطًا لوقوع الطلاق.
·الرسالة الصوتية
أقوى من الخطاب الورقي؛ لأنها "نطق صريح" وليست مجرد "كتابة"،
وحتى في حال كتابة الخطاب الورقي، فإن تمزيق الخطاب بعد كتابته بنية الطلاق لا
يمنع وقوعه.
· يُستثنى من ذلك حالة "الغضب
الشديد المُغْلِق" الذي يفقد فيه الزوج وعيه أو إدراكه لما يقول، ففي هذه
الحالة لا يقع الطلاق.
وتفصيلاً:
أولاً:
وقوع الطلاق بمجرد التلفظ به في الرسالة الصوتية:
الرسالة
الصوتية هي توثيق رقمي لـ "لفظ" الزوج. والقاعدة في الفقه الإسلامي أن
الطلاق يقع بمجرد نطق الزوج به، ولا يشترط أن تسمعه الزوجة أو يبلغها في حينه. قال
الإمام ابن قدامة المقدسي في كتابه "المغني": «وإن طلق امرأته ولم تعلم
وقع الطلاق؛ لأن الطلاق إزالة لعصمة النكاح، فصح من غير علمها».
وبناءً
عليه، فإن الزوج بمجرد أن ضغط زر التسجيل ونطق بيمين الطلاق، فقد نفذ الطلاق شرعًا،
وتراجعه بعد ثوانٍ وحذفه للرسالة لا يرفع الطلاق؛ لأن الطلاق ليس عقدًا يحتاج إلى
قبول من الطرف الآخر أو خيار مجلس يمكن الرجوع فيه.
ثانيًا:
التكييف الفقهي للرسالة المحذوفة مقارنة بالخطاب الورقي الممزق:
يسأل
السائل عما إذا كانت هذه الرسالة الصوتية تُعامل معاملة الخطاب الورقي الذي مُزق
قبل وصوله، والرسالة الصوتية تعتبر "تلفظًا"، والتلفظ نافذ بمجرد خروجه
من الفم. ولكن على فرض أنها رسالة نصية مكتوبة، فإن جمهور الفقهاء ينصون على أن
الزوج إذا كتب صيغة الطلاق ناويًا إيقاعه، فإنه يقع بمجرد الكتابة، ولا يؤثر إتلاف
المكتوب أو حذفه رقميًّا في رفع حكم الطلاق.
قال
الإمام ابن قدامة في "المغني" نصًّا في هذه المسألة: «فإن كَتَبَ طلاقَ
امرأتِه، فإن نواه، طَلَقَتْ... وإن كَتَبَه وقَصَدَ إيقاعَه، وَقَعَ، سواءٌ
قَرَأَهُ أو لم يَقْرَأْهُ، وسواءٌ وَصَلَ إليها أو لم يَصِلْ».
فإذا
كان هذا في الكتابة، فالنطق الصوتي أَوْلَى وأوكد في الوقوع. واستماع الزوجة
للرسالة عبر تطبيق خارجي يؤكد البلوغ، لكنه ليس شرطًا أصلاً لوقوع الطلاق.
ثالثًا:
أثر الغضب على وقوع الطلاق:
نظراً
لأن السائل ذكر أن الزوج كان "غاضبًا"، فهنا تفصيل فقهي دقيق أصله حديث
النبي ﷺ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» رواه أحمد وأبو داود.
والإغلاق فسره العلماء بالغضب الشديد.
وقد
فصّل الإمام ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار"
درجات الغضب قائلاً: «فَالَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ...
أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَيَقْصِدُهُ وَقَعَ... وَإِنْ بَلَغَ
بِهِ الْغَضَبُ إلَى حَالَةٍ لَا يَدْرِي فِيهَا مَا يَقُولُ لَا يَقَعُ».
وقال
الإمام ابن القيم في رسالته "إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان": إن الغضب
ثلاثة أقسام:
غضب
يسير لا يمنع تصور الكلام وقصده: يقع طلاقه باتفاق، وغضب شديد يغطي العقل فلا يدري
صاحبه ما يقول: لا يقع طلاقه باتفاق، غضب متوسط يشتد به ولكنه يعلم ما يقول: وفيه
خلاف، والجمهور على وقوعه.
فإذا
كان هذا الزوج يعي ما قاله في التسجيل الصوتي، فالطلاق واقع، وإن كان قد وصل لدرجة
الهذيان وفقدان الإدراك التام فلا يقع.
القواعد
الفقهية الحاكمة فيمن طلق زوجته عبر الواتساب ثم حذف الرسالة:
الطلاق
يقع باللفظ لا بالبلوغ: التلفظ بالطلاق علة تامة لوقوعه متى صدر
من أهله الزوج العاقل البالغ، ولا يتوقف نفاذه على علم الزوجة به.
الساقط
لا يعود: متى صدر لفظ الطلاق سقطت طلقة، وما سقط لا يمكن التراجع عنه بمجرد الإرادة كحذف
الرسالة، بل يُستدرك بالرجعة الشرعية إن كانت الطلقة رجعية وفي فترة العدة.
الكتابة
كالخطاب: وهي قاعدة مطردة عند الفقهاء، وتنسحب على الرسائل النصية، أما الصوتية فهي خطاب
حقيقي ولفظ صريح لا يحتاج إلى نية متى كان اللفظ صريحاً في الطلاق.
تصرفات
الغضبان فاقد الإدراك باطلة: وتُطبق في حال أثبت الزوج أنه تلفظ بذلك
في لحظة "إغلاق" وغياب تام للعقل بسبب الغضب. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
موقف الشريعة من لغة الإشارة في العقود والحدود