حائرة بين التمريض والجلوس في البيت.. أيهما تختار؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : اتخاذ قرارات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 19
  • رقم الاستشارة : 5686
28/08/2026

أنا محتارة بين خيارين: إما الالتحاق بالتمريض، وهو الخيار المتاح لي حاليًا، أو الجلوس في البيت دون دراسة أو عمل. لكن التمريض مرتبط بعقد يلزمني بالدراسة خمس سنوات والعمل خمس سنوات، وهذا يجعلني متخوفة جدًا من الالتزام به.

حاولت البحث كثيرًا عن طبيعة عمل الممرضة وتخيل يومي في المهنة، لكن أشعر أن البحث والتخيل لا يعطيني صورة حقيقية؛ لأني لم أجرب العمل فعليًا، ولا أعرف هل سأستطيع الاستمرار فيه أم لا. وفي المقابل، الجلوس في البيت متعب جدًا بالنسبة لي.

أنا أدرك أن الحياة ليست دائمًا كما نريد، لكن كل خيار أمامي صعب، ولا أعرف ماذا أفعل. وما زاد حيرتي أنني عندما استخرت، كانت قد عُرضت عليّ فرصة أخرى، ثم أُغلقت جميع الفرص الأخرى وبقيت فرصة التمريض، ومع ذلك ما زلت أشعر بخوف وتردد شديد تجاهها.

فكيف أتعامل مع هذا التردد؟

وهل أقدم على التمريض رغم خوفي، أم أتركه رغم أنه الخيار الوحيد المتاح لي حاليًا؟

الإجابة 28/08/2026

مرحبًا بك ابنتي الكريمة، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا، وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويهديك لأرشد الأمور وأحبها إليه، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وأن يكتب لك الخير حيث كان ثم يرضيك به، وبعد...

 

كيف تقرئين رسائل الاستخارة وإغلاق الأبواب؟

 

لقد ذكرتِ يا ابنتي أنك استخرت الله تعالى، ثم أُغلقت الأبواب الأخرى وبقيت فرصة التمريض هي المتاحة أمامك، ومع ذلك ما زلت تشعرين بالخوف. وهنا يحسن بنا توضيح مفهوم خاطئ شائع عن صلاة الاستخارة؛ فكثير من الناس يظنون أن الاستخارة تعقبها راحة نفسية تامة أو رؤيا في المنام! وهذا ليس شرطًا دائمًا. فالاستخارة في جوهرها هي تفويض الأمر لله -تعالى- والدعاء بأن ييسر الله الخير ويصرف الشر. ومن أعظم علامات إجابة الاستخارة: «تيسير الأسباب وإغلاق الطرق الأخرى». يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

 

فعندما سدَّ الله أمامك الفرص الأخرى وبقيت هذه الفرصة، فهذا مؤشر قدري يُشير إلى أن هذا هو الباب المفتوح لك حاليًّا. فالخوف الذي تشعرين به ليس بالضرورة دليلًا على أن الاختيار خاطئ؛ بل هو استجابة طبيعية أمام التحدي والالتزام الجديد.

 

الخوف من الالتزام الزمني:

 

تتخوفين من شرط الدراسة والعمل (5 سنوات دراسة + 5 سنوات عمل)، فدعينا نزن هذا الالتزام بميزان الواقع والمنطق:

 

- السنوات الخمس الأولى (الدراسة): هي سنوات بناء علمي وشخصي، لن تعيشيها وحدك؛ وستمر يومًا بيوم، تكتسبين فيها زميلات ومعلمات، وصداقات، وعلوم، ومعارف، ومهارات، وسيغير كل هؤلاء نظرتك للحياة والمجتمع.

 

- السنوات الخمس الثانية (العمل): هي فترة استقرار عملي وأمان وظيفي يتمنى ملايين الشباب الحصول عليهما في زماننا هذا. فالالتزام الوظيفي ليس سجنًا؛ بل هو خبرة عمل مؤمَّنة، ومصدر دخل مستقل، وبناء للذات.

 

مهنة التمريض في الميزان الشرعي والانساني:

 

إن التمريض يا ابنتي ليس مجرد مهنة تؤدينها وتأخذين عليها أجرًا؛ بل هي من أعظم أبواب القربات إلى الله إذا احتسبتِ النية. فالممرضة هي بلسم لشفاء الناس، ورفيقة المرضى في أشد لحظات ضعفهم.

 

ولقد كانت الصحابية الجليلة رُفيدة الأسلمية -رضي الله عنها- أول ممرضة في الإسلام، حيث أقام لها النبي ﷺ خيمة في المسجد النبوي لمداواة الجرحى والمصابين في غزوة الخندق. وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كرْبَةً مِنْ كرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [رواه مسلم].

 

فتخيلي كم الكربات التي ستخففينها عن أناس موجوعين، وكم الدعوات الصالحة التي ستنالينها يوميًّا من مرضى وأمهات وكبار سن!

 

الموازنة بين التمريض والجلوس في البيت

 

لقد أشرتِ بنفسك إلى أن الجلوس في البيت متعب جدًّا بالنسبة لك. والفراغ في مرحلة الشباب باب فساد شديد للنفس، ويجلب الهم، والتفكير السلبي، وشعورًا بقلة الإنجاز. وروي أن الإمام الشافعي قال: «ونفسُك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل».

 

إن الجلوس في البيت دون دراسة ولا عمل سيزيد من التردد والاستنزاف النفسي، بينما خوض التجربة -حتى وإن اكتنفه بعض الجهد- سيمنح حياتك معنى، وحركة، ونموًّا.

 

مقترحات عملية للتعامل مع التردد والخوف

 

لكي تتغلبي على هذا التردد وتنتقلي من مرحلة التفكير والحيرة إلى مرحلة القرار الواعي، أنصحك باتباع الخطوات التالية:

 

1- استشارة أصحاب التجربة: لا تكتفي بالتخيل ولا القراءة العامة عبر الإنترنت؛ بل ابحثي عن طالبات في السنوات الأخيرة بمهنة التمريض، أو ممرضات يمارسن العمل فعليًّا، وتحدثي معهن. اسأليهن عن يومهن الكامل، والصعوبات، والمميزات. فالملاحظة الحية تزيل غشاوة الخوف من المجهول.

 

2- تفكيك الزمن وجدولته: لا تنظري للسنوات العشر ككتلة واحدة ثقيلة على ظهرك. قسِّمي المدة إلى محطات، وفصول قصيرة، وركزي على اليوم الحالي والشهر الحالي والفصل الحالي، حتى يعبر وتنتهي منه بنجاح دون توتر ولا قلق ولا ضغط نفسي، ثم انتقلي للذي بعده، ودعي الغد والقادم لربهما سبحانه.

 

3- حوِّلي الخوف والقلق إلى حماس وتركيز: الخوف والقلق يشتركان في الأعراض الجسدية نفسها مع الحماس والتركيز، ويختلفان في الشعور النفسي، فشعور الخوف والقلق سلبي، وشعور الحماس والتركيز إيجابي، فاعتبري خوفك وقلقك حماسًا وتركيزًا ليكونا دافعين لك للنجاح والإنجاز، ولا تعتبريهما إشارة للهروب.

 

4- تجديد الاستخارة والدعاء: صلَّي الاستخارة مجددًا، وادعي بدعائها، وبدعاء: «اللَّهُمَّ لاَ سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلًا، وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلًا»، ليطمئن قلبك إلى النتائج، وينشرح صدرك، ثم توكلي على الله واستعيني به. يقول النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ» [رواه مسلم].

 

تقدَّمي ولا تتركي

 

والخلاصة يا ابنتي، إجابة على سؤالك المباشر: هل أتقدم أم أترك؟ أقول لك: اقدمي على التمريض، وتوكلي على الله ولا تتركيه. فترك خيار التمريض والجلوس في البيت لمجرد الخوف والتردد ليس قرارًا حكيمًا؛ لأنك تستبدلين بخيار فيه نمو، وعلم، وأمان وظيفي، وأجر عظيم، خيارًا آخر اعترفت بنفسك أنه متعب ومحبط لك (وهو الفراغ).

 

إن خوض التجربة والتكيف معها سيكشف لك -بإذن الله- قدرات في نفسك لم تكوني تعلمينها. والإنسان يتعلَّم بالعمل والممارسة، وليس بالانتظار والتخيل.

 

وختامًا يا ابنتي، أريد أن أؤكد لك حقيقة مهمة، وهي أن الحياة لا تمنحنا دائمًا ضمانات كاملة ومسبقة لنضمن نجاح التجربة قبل خوضها؛ بل إن الخبرة والمعرفة تتشكلان في رحم الممارسة والعمل. وإن الله -عز وجل- لا يغلق بابًا إلا ليفتح بابًا أفضل منه، وقد فتح لك هذا الباب ليختبر ثقتك به، وليبني شخصيتك، وليجعل منك يدًا رحيمة تطبب جراح المحتاجين. فاستعيني بالله، واستجمعي شجاعتك، وابدئي خطوتك الأولى بقلب متوكل على الحي الذي لا يموت.

 

أسأل الله أن يشرح صدرك لهذا القرار، وأن يجعله خيرًا لك في دينك ودنياك وعاقبة أمرك، وأن يوفقك في دراستك وعملك، وأن يملأ قلبك طمأنينة ورضًا وراحة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

صلاة الاستخارة.. حكمها وكيفيتها

التعليقات

الرابط المختصر :