الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : اتخاذ قرارات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
300 - رقم الاستشارة : 3477
05/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت أقرأ قصة قديمة عن والٍ دخل السوق ووجد رجلًا يبيع "الحكمة"، فاشترى منه لوحة مكتوب عليها: "فكّر قبل أن تعمل". هذه العبارة البسيطة كانت سببًا في إنقاذ حياته لاحقًا، لأن مجرد تكرارها أمام الحلاق الذي كان ينوي قتله جعله يتراجع ويعترف بالمؤامرة.
القصة صراحة هزّتني جدًا، وخلّتني أفكر في حياتنا اليوم.
إحنا عايشين في زمن سريع، قرارات تُتخذ بسرعة، ضغوط في العمل، مشاكل أسرية، علاقات اجتماعية معقدة. كثيرًا ما نتصرف برد فعل سريع ونندم بعدين.
كيف نقدر نطبّق فعليًا هذه الحكمة "فكّر قبل أن تعمل" في حياتنا اليومية، سواء في الإدارة أو في البيت أو حتى في قراراتنا الشخصية؟
هل من المناسب نستخدم مثل هذه القصص التراثية للعظة والعبرة، حتى لو مش نص شرعي، بشرط نوضح إنها من باب الحكمة والتجربة؟
وما هي الوسائل العملية اللي تساعد الإنسان إنه يتوقف لحظة قبل أي قرار، علشان ما يفسد حياته أو علاقاته بسبب التسرع؟
أحتاج أتعلم كيف أوازن بين سرعة الإنجاز اللي يفرضها الواقع وبين التريث والتفكير قبل أي خطوة، حتى ما أندم لاحقًا.
مرحبًا بك أخي الكريم، وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، ويسدد خطاك في كل خطوة تخطوها، وأن يلهمك التريث والحكمة في قراراتك كلها، وبعد...
الجسر الواقي بين السرعة والندم
في زمن العجلة وعصر السرعة والردود الفورية، أصبحت «الرَّويَّة» عملة نادرة. إن القصة التي ذكرتها عن الوالي والرجل الذي يبيع الحكمة، تختصر فلسفة إدارية وحياتية كاملة: وهي أنَّ لحظة واحدة من التفكير قد توفر سنوات من الندم، أو تمنع كارثة محققة. هذه الحكمة ليست وليدة فكر بشري فحسب؛ بل هي متأصلة في أسس شريعتنا كما هي في علوم الإدارة.
كيف نطبِّق «فكّر قبل أن تعمل» عمليًّا؟
تطبيق هذه الحكمة عمليًّا يتطلب تحويلها من مجرد شعار إلى منهج سلوكي؛ سواء في المؤسسة أو في البيت أو في القرار الشخصي.
ولقد أرست الشريعة الإسلامية مبادئ: «التثبُّت» و«التبيُّن» و«التأنِّي» كقواعد شرعية لحفظ النفس والمجتمع والمال. وهذه المبادئ لا تعني التباطؤ المذموم؛ بل هو وضعُ الأمور في نصابها الصحيح قبل التحرك في أي اتجاه.
فقد أمرنا الله -تعالى- بالتأكد من صحة المعلومات قبل البناء عليها، لما يترتب على التسرع من أضرار اجتماعية وخيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لأحد أصحابه: «إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحِبُّهما اللهُ: الحِلْمَ والأَناةَ» [رواه أبو داود]. و«الأناة» هي التأنِّي وعدم العجلة.
الإدارة الناجحة تُبنى على التبيُّن:
في الإدارة، يُترجَم مبدأ «فكِّر قبل أن تعمل» بعدة مصطلحات، منها: التخطيط الاستراتيجي (Strategic Planning) وإدارة المخاطر (Risk Management)، والقيادة الواعية (Conscious Leadership).
كما يطبق الإداري الواعي في عمله «قاعدة 80/20» المعروفة بـ«مبدأ باريتو»، والتي تقول إنه يجب التفكير جيدًا في الـ20% من الجهد الذي سيحقق 80% من النتائج. فالتركيز على الأولويات الحقيقية يمنع التسرع في المهام غير المؤثرة، ومنع بذل وتضييع الجهد في غير ما يفيد.
التمهُّل في الحياة الأسرية والشخصية:
كثير من المشاكل الأسرية تبدأ بـ«كلمة» أو بـ«رد فعل سريع». وتطبيق الحكمة التي نتحدث عنها يكون هنا في «قاعدة العشر ثوانٍ»، وملخصها أنه عند الغضب أو سماع ما يثير الانفعال، يجب التوقف لعشر ثوانٍ، لا للرد؛ بل لتحديد نية الرد: هل أريد الإصلاح أم مجرد الانتصار للنفس؟
التمهل في قرارات الشراء والاستثمار:
كم من شخص تسرَّع في شراء منزل أو سيارة أو أسهم بناءً على عاطفة أو إعلان مثير، فندم على قراره. والحكمة هنا تتطلب تأجيل القرار حتى يتم السؤال والتدقيق في العواقب والبدائل.
هل يجوز استخدام هذه القصص للعبرة؟
نعم، يجوز ذلك؛ بل يُستحسن، ولكن بالضوابط الشرعية والمنهجية الواضحة. فلقد حثنا الشرع على طلب الحكمة وتقبُّلها من أي مصدر لا يتعارض مع أصولنا. ولقد حفل القرآن بقصص الأنبياء، والأمم السابقة، بهدف العبرة، لا السرد المجرد. وهذا دليل على قيمة القصص في ترسيخ القيم.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 176]. وقال جل شأنه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111]. وقد قال النبي ﷺ: «الحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ، فحيْثُ وجدَها فهوَ أحقُّ بها» [رواه الترمذي].
الوسائل العملية للتوقف قبل اتخاذ القرار
لتحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز المطلوبة في الواقع وبين التفكير المتأني، نحتاج إلى أدوات عملية سريعة يمكن تفعيلها عند نقطة «القرار السريع». هذه الأدوات تساعد على إجبار العقل على التمهل، وتقييم الموقف قبل رد الفعل:
1- مصفوفة آيزنهاور: وهي تُستخدم عند ضغط الأعمال المتعددة. والهدف منها هو تصنيف المهام إلى أربعة أقسام: مهم وعاجل، ومهم لكنه غير عاجل، وغير مهم لكنه عاجل، وغير مهم وغير عاجل. وأهمية هذه المصفوفة في موضوعنا هي أنها تُبرز الأعمال «المهمة وغير العاجلة» منطقة تركيز وتمهل، لا ينبغي التسرع في إنجازها حتى تؤدي إلى قيمة حقيقية، مثل التخطيط للمستقبل.
2- تقنية «الـ4 أبعاد»: تُستخدم هذه التقنية قبل الإقدام على فعل ما أو قبل اتخاذ أي قرار؛ حيث يجب على الشخص أن يسأل نفسه أربعة أسئلة متعلقة بأربعة أبعاد لموضوع الفعل أو القرار:
- هل القرار شرعي أو أخلاقي؟ (الصحة).
- ما أسوأ عواقب التسرع في هذا القرار؟ (الأضرار).
- ما أفضل نتيجة يمكن تحقيقها بالتريث والتأني؟ (الفوائد).
- هل هناك طريقة أخرى للتعامل مع الموقف تحقق الهدف دون تسرع؟ (البديل).
3- الاستشارة والاستخارة: تُستخدم هاتان الوسيلتان عند القرارات المصيرية أو التي يكتنفها الغموض. وهما أرقى أدوات التفكير والتأنِّي. فبالاستشارة تُشرك معك عقولًا وخبرات أخرى في صناعة القرار لتتجنب الرؤية الأحادية. وبالاستخارة تفوِّض الأمر لخالقك، فتنبعث فيك الطمأنينة ويُصرف عنك التردد، وتكون قد استنفدت الأسباب المتاحة لك.
4- الانسحاب التكتيكي: تُستخدم هذه الوسيلة عند الشعور المفاجئ بالغضب والانفعال غير الإرادي، أو الوقوع في محظور على المستوى الشخصي. فإذا غضبتَ، فغيِّر وضعك أو اترك المكان للحظات. هذا الانسحاب القصير يمنح العقل فرصة لاستعادة السيطرة على العاطفة ويسمح للعقل بالقيادة بدلًا منها.
5- التخطيط العكسي: يُستخدم هذا المنهج عند وضع هدف كبير (عملي أو شخصي). فبدلًا من التفكير في الخطوة الأولى المباشرة التي قد تكون عشوائية، ابدأ بالتفكير في النتيجة النهائية المرغوبة، ثم ارجع خطوة خطوة إلى الوراء وصولًا إلى اللحظة الحالية. هذا يضمن أن تكون كل خطوة متخذة متسقة ومنطقية، وتخدم الهدف الأكبر.
وختامًا أخي الكريم، إنَّ سرَّ النجاح في أي عمل يكمن في قاعدة بسيطة: التريث في التخطيط، والسرعة في التنفيذ. وتذكر دائمًا أن القرار المتأني السليم يوفر آلاف الساعات من العمل التصحيحي لاحقًا.
وفقكم الله وسدد خطاكم، ونسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد.
روابط ذات صلة: