بين أداء واجب العمل والغيبة المحرمة فاصل دقيق

Consultation Image

الإستشارة 11/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الشيخ الفاضل، جزاكم الله خيرًا على نشر العلم، وأسأل الله أن ينفع بكم.

من مهام المديرين والمسؤولين عن التوظيف والترقيات تقديم ملاحظاتهم  حول أداء وسلوك الموظفين — سواء كان الموظف على رأس العمل (حيث يطلب مسؤول التوظيف من المدير المباشر تقييمًا لأداء الموظف وسلوكياته) أو حول المتقدمين للوظائف، من حيث انطباعاتهم عنهم ومدى ملاءمتهم لبيئة العمل. قد تتضمن هذه الملاحظات ما يتردد المسؤول في قوله للموظف مباشرة، خاصة إذا كانت السلوكيات غير مرغوبة. كذلك، بعد انتهاء المقابلة، يجري أعضاء اللجنة تقييمًا للمعارف والمهارات والسلوكيات، ويتشاورون لاختيار الأنسب، وقد يعتمد البعض على ملاحظات شخصية أو توقعات حول أداء المتقدم مستقبلًا بناءً على سلوكه الحالي. المطلوب:

١. ما هي الأحكام الشرعية لإعطاء هذه الملاحظات؟

٢. كيف يتجنب أعضاء اللجنة الوقوع في الغيبة والنميمة أثناء تقييمهم للمتقدمين؟

٣. ما هي نصائحكم لمن رزقهم الله منصبًا في التوظيف أو الترقية؟

٤. ما هي نصائحكم للمدير الذي يقوم بتقييم موظفيه في نهاية العام، وقد يرتبط هذا التقييم بزيادة مالية سنوية؟

الإجابة 11/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وبارك فيكم وفي حرصكم على تحري الحلال والحرام في المعاملات الإدارية والوظيفية، والتي تمس حقوق العباد وأمانات العمل. وإن الوظائف والمسؤوليات الإدارية في الإسلام تُعد من الأمانات العظيمة التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة، كما قال النبي لأبي ذر رضي الله عنه: «وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَ» رواه مسلم. وإن عملية تقييم الموظفين واختيار المتقدمين للوظائف والترقيات ليست مجرد إجراءات مكتبية، بل هي شهادة ومشورة يُبنى عليها إحقاق حقوق أو إبطالها، ومن هنا وضع الشارع الحكيم ضوابط دقيقة تحمي بيئة العمل وتصون أعراض الناس وحقوقهم ماليًّا ومعنويًّا.

 

اختصارًا:

 

إعطاء الملاحظات وتقييم الموظفين جائز، بل قد يكون واجبًا شرعًا؛ لأنه يندرج تحت باب "النصيحة الواجبة" و"الشهادة" و"المشورة"، شريطة أن تقتصر الملاحظات على ما يخص مصلحة العمل وكفاءته دون المساس بالأشخاص ولا بأعراضهم.

 

ويجب تجنب الغيبة والنميمة، فقد رخصت الشريعة في ذكر عيوب الشخص في مواضع محددة منها "الاستشارة في التوظيف"، بشرط صدق المعلومة، والاقتصار على قدر الحاجة الإدارية المهارات والسلوك المؤثر على العمل، والتزام السرية التامة داخل اللجنة لمنع النميمة.

 

والواجب هو تحري الكفاءة والأمانة في اختيار الأصلح للوظيفة، والابتعاد التام عن المحاباة، والمحسوبية، أو تقديم الأقارب والأصدقاء على من هو أكفأ منهم؛ لأن ذلك خيانة للأمانة، وكلما كان الأمر احترافيًّا مبنيًا على قواعد تحكيم واضحة كان بعيدًا عن الانطباعات الشخصية والتفضيل المبني على مجرد الهوى.

 

وليعلم المدير أن التقييم المرتبط بالزيادات المالية هو بمثابة حكم وقضاء، ويجب فيه العدل المطلق والتجرد من العواطف الشخصية من الحب والبغض، فالظلم فيه يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل أو إهدار أموال المؤسسة بغير حق.

 

وتفصيلاً:

 

أولًا: الأحكام الشرعية لإعطاء الملاحظات الإدارية والتقييمية

 

اتفق العلماء على أن تقديم الملاحظات حول أداء الموظفين وسلوكهم المهني يخرج عن حد الغيبة المحرمة إلى دائرة الجواز أو الوجوب، طالما أنه يتعلق بمصلحة العمل ويحمي بيئة العمل من الفساد أو التقصير.

 

منظور العلماء قديمًا:

 

اعتبر الفقهاء هذا الباب من باب "النصيحة للمسلمين". يقول الإمام النووي رحمه الله في كتابه "شرح صحيح مسلم":

 

«وأما النصيحة للمسلمين... فمعاونتهم على مصالحهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وحثهم على الطاعات، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم... وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه». التقييم الإداري الصادق هو حماية للمؤسسة وللموظف نفسه لتطوير أدائه.

 

منظور العلماء حديثًا:

 

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ورأي الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، أن بيان واقع العامل أو المتقدم للوظيفة لمسؤول التوظيف أمر تقتضيه الأمانة، فإذا سُئل المدير عن موظف، وجب عليه ذكر ما فيه بحياد ودون مبالغة؛ لأن الكتمان غش، والغش محرم.

 

ثانيًا: كيف يتجنب أعضاء اللجنة الوقوع في الغيبة والنميمة؟

 

الصلة بين التقييم الإداري والغيبة صلة دقيقة، وقد ضبطها العلماء بضوابط صارمة تمنع تحول العمل الإداري إلى مجالس لنهش الأعراض.

 

أصلّ الإمام النووي في "رياض الصالحين" باب ما يباح من الغيبة الأسباب الستة لإباحة الغيبة، وذكر منها: الاستشارة.

 

قال رحمه الله: «الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها الاستشارة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته، ويجب على المستشار ألا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة».

 

ضوابط عملية لتجنب الإثم:

 

تجديد النية والقصد: وذلك بأن يكون القصد مصلحة العمل واختيار الأنسب، لا التشفي أو السخرية.

 

الالتزام بالقدر المحتاج إليه: يقتصر الحديث على ما يؤثر على العمل مثل: التدخين في أوقات العمل، التأخر، عدم الأمانة، ضعف مهارة التواصل. أما العيوب الشخصية التي لا علاقة لها بالإنتاجية أو بيئة العمل مثل شكل الموظف، أو أموره العائلية الخاصة فلا يجوز ذكرها.

 

السرية التامة والموضوعية: تنتهي هذه الملاحظات بانتهاء اجتماع اللجنة، ونقلها خارج الغرفة يحولها إلى نميمة نقل الكلام للإفساد وهو من الكبائر.

 

ثالثًا: نصيحة لمن رُزق منصبًا في التوظيف أو الترقية

 

هذا المنصب ولاية عامة مصغرة، والمسؤول فيه مؤتمن على مقدرات المؤسسة وعلى حقوق المتقدمين.

 

وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" القاعدة الأساسية للتوظيف، وهي اختيار "الأصلح".

 

يقول ابن تيمية: «يجب على ولي الأمر أن يولي في كل منصب من مناصب المسلمين أصلح من يجده لذلك المنصب، قال النبي : "من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولّى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله"».

 

والأصلح يتحدد بركنين: الكفاءة والمهارة والأمانة مع الخلق والدين، كما جاء في القرآن الكريم: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.

 

على المسؤول أن يتجرد من "المحسوبية". فإذا قدم شخصًا لأجل قرابة، أو صداقة، أو مصلحة شخصية، وصرف النظر عمن هو أكفأ منه، فقد ارتكبت خيانة للأمانة وجرَّ الإثم على نفسه وعلى المؤسسة.

 

هذا التقييم هو من أخطر المهام؛ لأنه يترتب عليه "أثر مالي" من الرواتب، مكافآت، ترقيات. المدير هنا في مقام "الحاكم" بين الموظف والمؤسسة.

 

وقد شدد الفقهاء على حرمة الظلم في الحقوق المالية. والتقييم غير العادل يقع بين إثمين:

 

بخس الموظف حقه وهو ظلم، فإذا قُيم الموظف بأقل مما يستحق بسبب خلاف شخصي، فهذا منع للحق وبخس له، ودعوة المظلوم مستجابة. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» رواه مسلم.

 

ومحاباة الموظف أيضًا ظلم فهي إهدار لحق صاحب العمل حكوميًّا كان أو خاصًّا فإذا مُنح الموظف المقصر تقييمًا عاليًا لا يستحقه ليحصل على زيادة مالية بسبب المحاباة، فهذا تمكين من أخذ مال بغير حق، والمدير شريك في هذا الإهدار والباطل، ولا يشترط أن يكون الخطأ زيادة أو نقصًا بسبب فساد المدير أو محاباته فأحيانًا يكون لعدم كفاءته وجهله بأسس التقييم العادل، وهو مجال بذلت فيه جهود أكاديمية ومهنية كبرى، فعلى المدير أن يتعلم قبل أن يقيم، فإذا اجتهد قدر طاقته فأصاب فهو مأجور، وإن أخطأ فهو معذور.

 

ومن أراد النجاة فعليه أن يلتزم بالآتي:

 

الاعتماد على الوثائق والأرقام: ابتعد عن "التوقعات الظنية" غير المبنية على مؤشرات أداء واضحة، فعلى سبيل المثال كثيرًا ما نسمع: "هذا الموظف كثير الأخطاء" دون نسب مئوية ولا أرقام مرجعية، ولا مقارنات مع الأقران، وهذا لا يعد تقييمًا، بل انطباعًا شخصيًّا، وفي غالب الأحوال يكون ظالمًا.

 

الفصل بين العاطفة والمهنة: يقول الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}، فبغضك لسلوك شخصي معين في الموظف لا يبيح لك تدمير تقييمه المهني إذا كان يؤدي عمله بكفاءة.

 

المصارحة البناءة: تقديم الملاحظات للموظف أولًا بأول طوال العام أفضل من مفاجأته بها نهاية العام، ليكون التقييم وسيلة للإصلاح لا العقاب.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

يُحتكم في هذه المسائل الإدارية إلى عدد من القواعد الفقهية الكبرى والفرعية التي تضبط تصرفات المسؤولين:

 

قاعدة: «الأمور بمقاصدها»

 

النية في نقاشات لجان التوظيف والتقييم هي الفارق بين "النصيحة المشروعة" وحماية العمل، وبين "الغيبة والتشفي المحرمين".

 

قاعدة: «الضرر يُزال» و «لا ضرر ولا ضرار»

 

توظيف شخص غير كفء أو سيئ السلوك يسبب ضررًا بالغًا بالمؤسسة وبقية الموظفين، فجاز بل وجب ذكر عيوبه المهنية لإزالة هذا الضرر المتوقع قبل وقوعه.

 

قاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»

 

المدير أو مسؤول التوظيف تنطبق عليه أحكام "النائب" عن صاحب العمل أو المؤسسة. كل قرار يتخذه ترقية، تعيين، تقييم مالي يجب أن يكون منصبًّا حول مصلحة العمل العليا، وليس مصلحته الشخصية أو عواطفه.

 

قاعدة: «ما أبيح للحاجة يُقدر بقدرها»

 

الكلام في عيوب المتقدمين للوظائف أو الموظفين أُبيح "للحاجة الإدارية الاستشارية"، وبالتالي يجب التوقف فورًا عند انتهاء الحاجة، ولا يجوز الاسترسال في التفاصيل الشخصية الخارجة عن نطاق الوظيفة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف أوازن بين أمانة عملي الرقابي والستر على الزملاء؟

 

الرابط المختصر :