انحسار الفرات عن جبل من ذهب بين الحقيقة والمجاز

Consultation Image

الإستشارة 22/01/2026

أصحاب الفضيلة والعلماء الأجلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: بالنظر إلى ما جاء في السنة النبوية الصحيحة من إخبار النبي ﷺ عن انحسار "الفرات" عن جبل من ذهب، وفي ظل المتغيرات الجغرافية والمناخية التي يشهدها واقعنا في عام 2026، نجد أنفسنا أمام إشكال علمي يحتاج إلى تحرير فقهي ولغوي دقيق، نرجو منكم تبيانه وفق النقاط التالية:

أولاً: تحرير موضع النهر: هل "الفرات" الوارد في النص النبوي هو النهر الجغرافي المعهود الذي ينبع من المرتفعات الأرمنية ويمر بالأراضي السورية والعراقية، أم أن اللفظ في لسان العرب يُحمل على دلالته اللغوية (الماء العذب الفرات)، فيكون ذكره من باب المجاز أو الوصف لكل نهر شديد العذوبة تقع عنده هذه الفتنة؟

ثانياً: بين الحقيقة الجغرافية والمجاز الشرعي: إذا كان الأصل في نصوص الوحي حمل الألفاظ على حقائقها المعهودة في زمن النبوة، فهل هناك قرائن شرعية أو آثار من أقوال السلف تصرف "الفرات" عن معناه المكاني (نهر الشام والعراق) إلى معانٍ أخرى؟ وكيف يوفق الفقيه بين حصر النبوة في مكان بعينه وبين احتمالية وقوع الحدث في بيئات مائية أخرى تشترك مع الفرات في وصف "العذوبة"؟

ثالثاً: مقتضى النهي في الحديث: بناءً على التكييف السابق، هل النهي الوارد في قوله ﷺ: (فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً) يختص بسكان ضفاف النهر المعروف في سوريا والعراق فقط، أم هو نهي عام لكل من حضر فتنةً قامت على مورد مائي عذب انحسر عن ثروة، بناءً على القول بعموم لفظ "الفرات" لغوياً؟

رابعاً: ما هي نصيحتكم في ضبط التعامل مع هذه الإسقاطات، لئلا يختلط الواقع الجغرافي بالوعد الغيبي بغير بصيرة شرعية؟

أفتونا مأجورين، وجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

الإجابة 22/01/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فحديث انحسار الفرات عن نهر من ذهب حديث صحيح رواه البخاري ومسلم ، وفي الأمور الغيبية يجب علينا الوقوف عند النص، والمعنى الحقيقي هو الأصل، وهو مقدم على المعنى المجازي، فلا يجوز الانتقال إلى المجازي إلا بقرينة قوية تصرفه من الحقيقي إلى المجازي، واقتتال الناس يفهم منه تكالبهم على الدنيا، وحرصهم عليها، وقد نُهينا عنها، والنهي هنا عام لكل من حضره، وما دون ذلك من اجتهادات علينا أن نتوقف عندها فلا نقبلها بغير دليل قطعي.

 

نصوص الحديث في كتب الصحاح

 

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله يوشك الفرات أن يَحِسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا.

 

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: لا تقوم الساعة حتى يَحِسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلّي أكون أنا الذي أنجو.

 

وفي رواية له أيضًا عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، ثم قال: إني سمعت رسول الله يقول: يوشك الفرات أن يَحِسر عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه لَيُذهَبَنَّ به كله، قال: فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون.

 

فهم الحديث بين الحقيقة والمجاز

 

وهذه المسألة ناقشها أهل العلم، والقول الراجح الذي عليه جمهور العلماء هو أن المعنى حقيقي لا مجازي. أي أن نهر الفرات المعروف (الذي ينبع من تركيا ويمر في سوريا والعراق) سينحسر ماؤه بالفعل في آخر الزمان، وسيظهر جبل أو كنز عظيم من الذهب الحقيقي.

 

الأدلة على أن المعنى حقيقي

 

ويمكننا إيجاز الأدلة على ذلك فيما يلي:

 

أولاً: الأصل في نصوص الوحي الحمل على الحقيقة: القاعدة عند أهل العلم أن نصوص القرآن والسنة تُحمل على ظاهرها وحقيقتها ما لم يأتِ دليل قاطع يصرفها عن هذا الظاهر إلى معنى مجازي. وفي هذا الحديث، لا يوجد ما يدعو لصرف اللفظ عن حقيقته.

 

ثانيًا: تحديد المكان (الفرات): فالنبي حدد اسم النهر "الفرات" تحديدًا، ولم يقل "ماء عذب" أو "الأنهار". هذا التخصيص يقوي دلالة الحقيقة.

 

ثالثًا: تفاصيل الحديث: ذكر "جبل من ذهب" و"الاقتتال عليه" وقتل "تسعة وتسعين من كل مائة" هي تفاصيل حسية واقعية تصف حدثًا ماديًّا، لا مجرد رمز أو كناية عن خيرات اقتصادية عامة. لو كان المعنى مجازياًّ، لكانت هذه التفاصيل الدقيقة أقل وضوحًا.

 

رابعًا: التحذير النبوي: النهي الصريح في الرواية الأخرى "فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا" هو توجيه عملي مباشر للتعامل مع حدث حقيقي وشيك، وهو فتنة عظيمة يجب على المؤمن اعتزالها.

 

لماذا يميل البعض للتفسير المجازي؟

 

بعض المعاصرين حاولوا تفسير الحديث بشكل مجازي، فقالوا إن "جبل الذهب" قد يكون كناية عن "الذهب الأسود" أي النفط، أو عن ثروات زراعية أو اقتصادية هائلة تظهر في منطقة حوض الفرات، لكن هذا التفسير يواجه عدة إشكالات من أهمها:

 

1- مخالفة الظاهر: كما ذكرنا، هو خروج عن ظاهر النص بلا دليل قوي.

 

2- عدم الانطباق الكامل: فتنة النفط والصراعات عليه موجودة منذ عقود، لكنها لم تصل إلى درجة الاقتتال الذي يُقتل فيه 99 من كل 100 شخص في معركة واحدة حوله بهذا الشكل الموصوف.

 

3- تضييع العبرة: تحويل النص إلى معنى مجازي قد يضعف من قوة التحذير النبوي من هذه الفتنة المحددة، ويجعل الناس يستهينون بوقوعها كما أخبر النبي ﷺ.

 

الدروس المستفادة من هذا الحديث

 

الذي نؤمن به ونعتقده، وهو ما عليه جمهور أهل العلم، أن انحسار الفرات عن جبل من ذهب هو حدث حقيقي سيقع في آخر الزمان كما أخبر به النبي بحذافيره، وهذا الإيمان ليس مجرد معلومة نظرية، بل له أثر عملي وروحي عميق، ومن هذه الدروس:

 

أولاً: التصديق بالغيب: هو من صميم إيماننا أن نصدّق بكل ما أخبر به النبي ﷺ، سواء استوعبته عقولنا في الحاضر أم لا. قال تعالى في وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: 3).

 

ثانيًا: الزهد في الدنيا: هذا الجبل الذهبي، رغم عظمته، سيكون سببًا في هلاك الأغلبية الساحقة من الناس. وهذا أعظم درس في أن فتنة المال والدنيا يمكن أن تقود إلى الدمار. فالعاقل هو من يزهد في الفاني ويقبل على الباقي.

 

ثالثًا: الاستعداد للفتن: معرفتنا بهذه العلامات تجعلنا أكثر استعدادًا للفتن عند وقوعها. التوجيه النبوي واضح: "فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا". أي اعتزل تلك الفتنة، ولا تكن جزءًا من الصراع على حطام الدنيا.

 

رابعًا: التأمل في قدرة الله: الله قادر على أن يغير معالم الأرض، وأن يخرج كنوزها متى شاء وكيفما شاء، وكل ذلك يجري بتقديره وحكمته.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

الفتن والملاحم.. أم تتبع العجائب والغرائب؟!

الرابط المختصر :