مصير والدي النبي ﷺ بين ظاهر الحديث وفقه القرآن

Consultation Image

الإستشارة 25/01/2026

 يتحدث كثير من العلماء أن والدي النبي ﷺ في النار فهل ذلك صحيح ؟ وهل يتعارض هذا مع قوله تعالى:  (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)

الإجابة 25/01/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فقضية مصير والدي النبي ﷺ من المسائل التي اختلف فيها علماء الإسلام على قولين رئيسين، وكلا القولين له أدلته وتأويلاته، وهي من القضايا التي لا ينبني عليها عمل والخوض فيها من التكلف والأدلة ظاهرها التعارض، وما نرجحه ما نطق به الوحي المعجز حيث يقول الله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].

 

ومن المهم أن نتعامل مع هذه المسألة بأدب جمّ واحترام لمقام النبي ﷺ وأهله، وأن ندرك أنها من مسائل الغيب التي لا ينبني عليها عمل، والأولى التركيز على ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

 

قولان في هذه المسألة

 

القول الأول: أنهما من أهل الفترة وأمرهما إلى الله، مع أدلة ظاهرها أنهما ليسا من الناجين.

 

هذا القول يعتمد على أحاديث صحيحة صريحة في ظاهرها، وهو ما ذهب إليه عدد من العلماء المحققين. وأهم أدلتهم:

 

أولاً: حديث (إن أبي وأباك في النار)، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار". فلما قفّى (انصرف) دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار".

 

ووجه الاستدلال: الحديث صريح في أن والد النبي ﷺ في النار. وحمل العلماء هذا على أنه قد بلغته دعوة نبي سابق كدعوة إبراهيم عليه السلام، فقامت عليه الحجة بذلك.

 

ثانيًا: حديث النهي عن الاستغفار: روى الإمام مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي".

 

ووجه الاستدلال: عدم الإذن بالاستغفار يُفهم منه أنها ماتت على غير الإسلام؛ لأن الله تعالى نهى عن الاستغفار للمشركين فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: 113).

 

ويؤكد أصحاب هذا القول على صحة هذه الأحاديث ووضوح دلالتها، وأن التسليم لها هو مقتضى الإيمان، مع التأكيد على أن قرابة النبي ﷺ لا تنفع صاحبها إن مات على غير التوحيد.

 

القول الثاني: أنهما ناجيان

 

وهذا قول كثير من العلماء والفقهاء والمتكلمين، وبه أفتت مؤسسات إسلامية معتبرة كدار الإفتاء المصرية. واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها:

 

أولاً: أنهما من أهل الفترة: هذه هي الحجة الأقوى عند القائلين بنجاتهما. أهل الفترة هم الذين عاشوا في زمن انقطعت فيه الرسالات ولم تبلغهم دعوة نبي. ووالدا النبي ﷺ ماتا قبل بعثته، ولم تكن هناك دعوة واضحة في جزيرة العرب آنذاك.

 

ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15). فالله برحمته وعدله لا يعذب أحدًا إلا بعد أن يقيم عليه الحجة بإرسال رسول.

 

وحكم أهل الفترة عند أهل السنة أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار. والظن بوالدي النبي ﷺ أنهما لو امتُحنا لأطاعا.

 

ثالثًا: أنهما كانا على الحنيفية: ذهب فريق من العلماء، منهم الإمام الفخر الرازي، إلى أنهما كانا على دين إبراهيم عليه السلام ولم يثبت عنهما شرك أو عبادة صنم.

 

ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219)، وفسروها بأن نور النبي ﷺ كان ينتقل في أصلاب الآباء الطاهرين المؤمنين.

 

مناقشة أدلة الفريق الأول

 

حديث "إن أبي وأباك في النار": حكم عليه بعض المحدثين بالشذوذ أو أن الراوي رواه بالمعنى فأخطأ.

 

حديث النهي عن الاستغفار: قالوا إن عدم الإذن بالاستغفار لا يعني بالضرورة أنهما في النار، بل قد يكون لأسباب أخرى، أو أن الحكم كان قبل أن يُبيَّن للنبي ﷺ أمر أهل الفترة.

 

الأحوط للمسلم في مثل هذه المسائل

 

أولاً: التأدب والإمساك: والأحوط هو الإمساك عن الخوض في هذه المسألة والجزم فيها بشيء، فهي من أمور الغيب التي لا يترتب عليها حكم عملي. والخوض فيها قد يؤدي إلى إيذاء النبي ﷺ، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (الأحزاب: 57).

 

ثانيًا: إحسان الظن: من كمال محبة النبي ﷺ إحسان الظن بوالديه الكريمين، ورجاء النجاة لهما، وتفويض أمرهما إلى أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين سبحانه وتعالى.

 

ثالثًا: التركيز على الأهم: علينا أن ننشغل بما هو أوجب علينا: تحقيق إيماننا، واتباع سنة نبينا ﷺ، والاستعداد للقاء ربنا. أما ما طُوي عنا علمه، فالأولى تركه.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

قراءة في كتاب «سيرة النبي محمد» ﷺ

 

الرابط المختصر :