الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5583
11/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا شاب مسلم أعيش في إحدى الدول الغربية منذ قرابة سبع سنوات بداعي الدراسة والعمل، أجد نفسي اليوم في حيرة شديدة وتنازع داخلي مستمر؛ فالبيئة المحيطة بي تفرض نمطًا من الحياة ينبهر به الكثيرون، وفيه من القيم الإنسانية كالالتزام بالوقت واحترام الآخر والجدية في العمل ما يغري بالاندماج الكامل.
لكنني في المقابل، أرى ذوبانًا وتلاشيًا لثوابت الهوية الإسلامية لدى كثير من زملائي المسلمين الذين عاشوا هنا، حيث تداخلت عندهم المفاهيم، وأصبح الانفتاح على الثقافات الأخرى يعني تقديم التنازلات في العبادات والمظهر والسلوك، وتبرير بعض المحرمات تحت مسمى "المعاصرة والتعايش".
سؤالنا الذي يؤرقني ويقض مضجعي: كيف يمكنني كشاب مسلم يعيش في عمق المجتمعات الغربية أن أحقق هذا التوازن الصعب بين الاستفادة من إيجابيات هذه الحضارة والاندماج الإيجابي المثمر في مجالات العمل والعلوم، وبين الحفاظ الصارم على هويتي العقائدية وقيمي الأخلاقية والشرعية دون الانعزال والانكفاء على الذات أو السقوط في فخ الذوبان وفقدان الهوية؟
سامحوني أريد خطوات عملية يمتزج فيها فقه الواقع بالأصالة الشرعية لتكون دليلاً لي ولأمثالي من الشباب في بلاد الاغتراب.
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بك وبكافة شبابنا الأوفياء لدينهم وأمتهم في كل مكان..
يسعدني جدًّا هذا الوعي الرفيع والحس الإيماني اليقظ الذي تحمله في وجدانك، وهو
أولى خطوات النجاح والثبات بإذن الله تبارك وتعالى.
إنَّ التحدي الذي
تواجهه ليس تحديًا خاصًّا بك؛ بل هو قضية العصر ومحور اهتمام التخطيط الدعوي
المعاصر في بلاد المهجر.
والإجابة عن هذا
التساؤل الملح تكمن في صياغة مفهوم "العالمية الإسلامية" التي تجمع بين
استيعاب المنافع الإنسانية أينما وجدت وبين الاعتزاز بالخصوصية الإيمانية.
إن المسلم في
المهجر ليس مجرد عابر سبيل، بل هو صاحب رسالة، ومنطلق التوازن يبدأ من إعادة تصحيح
المفاهيم؛ فالانفتاح لا يعني التميع، والانكفاء ليس هو الحل للحفاظ على الدين. ويمكننا
صياغة منهج عملي تطبيقي يقوم على عدة ركائز أساسية:
أولها: الانتقائية
الواعية القائمة على فرز النتاجات الحضارية، فنأخذ من الغرب علومه المادية، ونظمه
الإدارية، وقيم الإنتاج والاتقان، وهي في الأصل ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق
بها، وفي المقابل نطرح جانبًا التصورات المادية والإباحية الأخلاقية التي تتصادم
مع قطعيَّات الوحي والشريعة. هذا التميز الواعي يحميك من الانبهار الأعمى ويوفر لك
حصانة فكرية ترتكز على أصالة الوحي ومعاصرة الأدوات.
والركيزة الثانية
هي تفعيل دور "القدوة والشهود الحضاري"، فالاندماج المطلق المرفوض هو
الذي تذوب فيه شخصية المسلم ويصبح تابعًا في كل شيء، أما الاندماج الإيجابي
المطلوب فهو المشاركة الفاعلة في بناء المجتمع وحل مشكلاته من خلال تقديم الأنموذج
الإسلامي المتميز في الأمانة والإتقان وحسن الجوار والتعامل الراقي. إن حضورك
المتميز في ميدان دراستك وعملك هو في ذاته رسالة صامتة تعبر عن عظمة الإسلام
وقدرته على صياغة الإنسان المتوازن.
ويتطلب هذا
البناء العملي إيجاد بديل اجتماعي وثقافي من خلال الارتباط بالمراكز الإسلامية
والمحاضن التربوية الصالحة في المهجر؛ فالإنسان مدني بطبعه والبيئة الصالحة تشد من
أزر المؤمن وتثبته، وتوفر له المحيط النقي الذي يمارس فيه شعائره ويعزز فيه من قيم
التواصل الأخوي والدعوي، محققين بذلك هدي النبي ﷺ في بناء المجتمع المتماسك الذي يشد بعضه بعضًا.
وأنصح ختامًا
بالآتي:
• احرص على تخصيص ورد يومي ثابت من القرآن
الكريم وتدبر آياته ليكون لك نورًا يضيء بصيرتك في الفتن.
• اجعل لنفسك
سرًّا بينك وبين الله تعالى من الطاعات والعبادات الخفية، فإنها أعظم مثبت للقلوب.
• كن مبادرًا في
مجتمعك، وقدم المساعدة للآخرين ليعلموا أن الإسلام دين نفع وبناء لا دين عزلة
وهدم.
• اختر رفقة
صالحة تشاركك نفس الهم والرسالة لتتبادلوا النصح والدعم الإيماني والفكري.
فاللهم يا مقلب
القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واحفظ شبابنا وبناتنا في المغارب والمشارق، واجعلهم
هداة مهتدين، وصن هويتهم، واجعلهم مشاعل خير وبركة أينما حلوا ونزلوا، واكتب لهم
التوفيق والسداد في دينهم ودنياهم.
روابط ذات صلة: