الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فتاوى أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5735
01/09/2026
كنت في الماضي أعتقد أن الأبراج يمكن أن تؤثر في السمات الشخصية للإنسان، مثلا مواليد برج الثور يفضلون اللون الأزرق وهكذا، لكن لم أكن أعتقد أن الأبراج يمكن معرفة المستقبل من خلالها، فهل اعتقادي السابق بتأثير الأبراج في شخصية الإنسان يعد كفرا؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن ربط
صفات الإنسان وسلوكه وميوله كالقول بأن مواليد برج معين يفضلون لونًا محددًا أو
يتصفون بطباع خاصة بالنجوم والأبراج هو باب من أبواب التنجيم واستدلال بالأحوال
الفلكية على الحوادث الأرضية. وتوضيح الحكم الشرعي والتكييف العلمي لهذا الاعتقاد
السابق يتطلب بيانًا مفصلاً يستند إلى المعايير العلمية والتأصيل الشرعي المحكم.
اختصارًا: مجرد
الاعتقاد أن لبعض مخلوقات الله تأثيرًا في بعضها، لا يقدح في عقيدة المؤمن بشرطين،
الأول أن يكون لذلك دليل من وحي أو تجربة، والثاني ألا يعتقد أنها تؤثر بنفسها
بمعزل عن حكمة الله وقدرته، فالشمس تؤثر في الرياح، والرياح تؤثر في المطر، والمطر
يؤثر على الكون بما فيه ومن فيه.
وإن
اعتقادك السابق بأن للأبراج تأثيرًا في صفات الإنسان وشخصيته ليس كفرًا يخرج من
الملة، ولكنه اعتقاد باطل من حيث العلم المثبت، ومعدود من التنجيم المذموم وهو فرع
عن العلوم الزائفة.
وبالطبع
يضاد عقيدة المؤمن حين يكون الاعتقاد أن التأثير ليس جزءًا من فطرة الله التي فطر
الكون عليها، بل تأثير مجرد لنفس الأجرام.
وتفصيلاً:
أولاً: لا
يوجد أي دليل علمي أو تجربة مثبتة تدل على أن لتاريخ الميلاد أو حركة الأبراج
والنجوم تأثيرًا على طباع الإنسان أو ألوانه المفضلة، وقد أجمعت المجامع العلمية
والرابطة الدولية للفلك على أن التنجيم علم زائف، واستنتاجاته تخضع لظواهر نفسية
محضة، فكل شخص يقرأ العبارات الفضفاضة فيجدها مطابقة لشخصيته على نحو ما.
الفرق
بين المراتب الاعتقادية:
من
يعتقد أن الأبراج تؤثر بنفسها وبذاتها استقلالاً عن الله فهذا كفر بواح مخرج من
الملة؛ لأنه إشراك لله في ربوبيته وخلقه وتدبيره.
ومن
يعتقد أن الأبراج مجرد "سبب" سخرها الله لتؤثر في طباع البشر فعليه أن
يأتي بالدليل وإلا صار آثما لأنه إثبات لسبب لم يجعله الله سببًا لا شرعًا ولا قدرًا،
وليس عليه أثارة من علم أو وحي.
عن
زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ
الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ،
فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا
قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ
عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ
اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْاكَبِ، وَأَمَّا
مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ
بِالْكَوْاكَبِ»». متفق عليه.
عَدَّ
النبي ﷺ من اعتقد في
تأثير النجم أشرك شركًا أصغر، ومن نسب المطر إلى النجم إيجادًا وتأثيرًا كَفَر كفرًا
أكبر.
وبما
أنك كنت جاهلاً بالتحريم ولم تعتقد في الأبراج منشئًا وموجدًا، فلا يكفر الإنسان
بذلك، والحمد لله الذي هداك لترك هذا الاعتقاد، وتوبتك واستغفارك يمحوان ما سلف.
آراء
العلماء قديما وحديثا مع النقل الموثق من مصادرهم:
قال
الإمام النووي ت 676هـ في شرح صحيح مسلم 2/60: «وأما قوله ﷺ: "فذلك كافر بي
ومؤمن بالكواكب"؛ فمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب هو الفاعل المدبر المحدث
للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعمون، فهذا كافر كفرًا يخرج عن الملة بلا شك...
ومن قال ذلك معتقدًا أن المطر من الله تعالى، وإنما النوء وقت له وعلامة، فهذا لا
يكفر، ولكن يكره له قول ذلك».
وقال
الإمام ابن قيم الجوزية ت 751 هـ في مفتاح دار السعادة 2/212: «فأما الاستدلال
بالتسييرات والتقارنات الفلكية على الطبائع والطباع والأخلاق، فكل ذلك خرس وخرص
وباطل بالضرورة والعقل، والنجوم لم تجعل أسبابًا لطباع العباد ولا لأخلاقهم».
ويقول
الشيخ عبد العزيز بن باز ت 1420 هـ في مجموع الفتاوى 2/121: «علم النجوم وما يسمى
بالأبراج وقراءة الحظ، والاستدلال بها على الصفات أو المستقبل؛ كل ذلك من أعمال
الجاهلية والكهانة والتنجيم المحرم، ولا يجوز تصديقهم في طباع ولا غيرها، ولكن لا
يكفر المسلم بذلك إلا إذا اعتقد أنها تتصرف في الكون مع الله».
القواعد
الفقهية الحاكمة في الاعتقاد في
الأبراج وتأثيرها في سمات البشر:
من
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا شرعًا ولا قدرًا فقد أشرك شركًا أصغر
الأبراج
والنجوم لم يثبت بالشرع ولا بالحس والعلم أنها سبب لتعيين صفات الإنسان وطباعه؛
فاعتقاد سببِيّتها هو إيجاد لسبب وهمي، وهو من الشرك الأصغر.
الأصل
في الأفعال والطبائع التكليف والتربية لا الجبر الفلكي
صفات
الإنسان وأخلاقه وميوله تتأثر بالوراثة والبيئة والتربية والاختيار الإنساني،
وربطها بحركة أجرام سماوية يبطل فلسفة التكليف والمسؤولية الفردية.
اليقين
لا يزول بالشك
إسلامك
يقين، وثبوته عندك لا يزول بمجرد اعتقاد سابق وقعت فيه عن جهل وتأول دون قصد الشرك
الأكبر أو الكفر الصريح.
الجهل
والتحريف العارض يدرآن حد الكفر عن المكلف
المسلم
إذا وقع في مقولة أو اعتقاد محرم من غير علم منه بكونه مناقضًا للتوحيد، يعذر
بجهله ولا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويفهمها. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: