أهمية التعاون بين الدعاة وتأثيره على تماسك المجتمع

Consultation Image

الإستشارة 14/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا إمام مسجد وأحد الدعاة في منطقتي، وألاحظ مع الأسف الشديد ضعف التعاون بين الدعاة في مجتمعنا، فكل داعية يعمل بمفرده، وكأنه جزيرة معزولة، ولا يوجد تنسيق أو تشاور أو تعاون فيما بينهم، بل قد يصل الأمر إلى التنافس غير الشريف، والانتقاص من جهود الآخرين، وهذا يؤدي إلى تشتت الجهود، وتضارب الرسائل، وإرباك الناس، وإضعاف العمل الدعوي، وإضاعة الفرص، وإسعاد الأعداء باختلافنا.

كيف يمكننا كدعاة أن نؤسس لثقافة التعاون والتكامل، وأن نعمل كفريق واحد، وأن نضع خططاً مشتركة، ونتبادل الخبرات، ونتحاور في القضايا الخلافية، ونتعاون في معالجة مشاكل المجتمع، حتى نكون صفًّا واحدًا في وجه التحديات، ونحقق الأهداف الدعوية المرجوة؟

الإجابة 14/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في غيرتك على وحدة كلمة الدعاة.

 

إن ما أشرت إليه هو من أهم أسباب ضعف الأمة الإسلامية اليوم، وهو التفرق وعدم التعاون، وقد كان من أبرز أسباب قوة المسلمين في عصورهم الماضية هو تعاونهم وتكاتفهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2). فالتعاون هو روح العمل الجماعي، وهو مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة.

 

والتعاون بين الدعاة ليس ترفًا، بل هو واجب شرعي، وهو ضرورة دعوية، فالدعاة هم حملة رسالة الإسلام، وهم القدوة للناس، فإذا اختلفوا وتفرقوا، تفرق الناس من خلفهم، وإذا تعاونوا وتكاتفوا، تعاون الناس وتكاتفوا، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام، وهو التفرق.

 

وقد حذّر الله تعالى من التنازع والاختلاف، فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46). والتنازع يؤدي إلى الفشل، وذهاب القوة والهيبة، وهو ما يريده الشيطان، كما أن التعاون يؤدي إلى القوة والتماسك، وهو ما يحبه الله ورسوله.

 

فما هي مظاهر التعاون المفقود بين الدعاة؟

 

وللجواب نقول، من بين تلك المظاهر ما يأتي:

 

1. الافتقار إلى التنسيق: كل داعية يعمل بمفرده، دون خطة مشتركة، أو تنسيق للجهود، مما يؤدي إلى ازدواجية العمل، أو تضارب المواعيد، أو إهمال بعض القطاعات.

 

2. النقد غير البناء: قد ينتقد داعية زميله دون أن يبادر بالاتصال به مباشرة، وقد يكون ناقده جاهلاً ببعض جوانب العمل، فيقع في الخطأ.

 

3. المنافسة غير الشريفة: قد يغلب حب الظهور على حب المصلحة العامة، فيتنافس الدعاة على جذب الأنظار، بدلاً من التعاون على نشر الخير.

 

4. الاختلاف في الرأي: يقع الخلاف بين الدعاة في المسائل الاجتهادية، ويحول هذا الخلاف إلى سبب للبغض والكراهية، بدلاً من أن يكون رحمة وسعة، فما هو الحل؟

 

إليك الآتي:

 

1. الإخلاص في النية: يجب أن تكون نية كل داعية خالصة لله، وألا يطلب بعمله إلا وجه الله، وعندها سيسهل عليه التعاون مع إخوانه، وعدم التنافس عليهم.

 

2. العلم والتفقه في الدين: كلما زاد علم الداعية، زاد إدراكه لمواضع الخلاف، وزادت قدرته على تحمل آراء الآخرين، واحترامها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

 

3. التشاور والتواصل: يجب أن يكون بين الدعاة تواصل دائم، وتشاور في الأمور المهمة، واجتماعات دورية لمناقشة التحديات، وتبادل الخبرات، ووضع الخطط المشتركة، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

 

4. التحلي بروح التسامح والعفو: يجب أن يتحلى الدعاة بالعفو والتسامح، وألا يحملوا الضغائن في صدورهم، وأن يغضوا الطرف عن الزلات، وأن يبذلوا الجهد في إصلاح ذات البين.

 

5. العمل على وحدة الكلمة: يجب أن يكون الدعاة صفًّا واحدًا في مواجهة تحديات العصر، وفي نشر الإسلام، وفي الدفاع عن المقدسات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• ابدأ بنفسك، وكن أنت المبادر بالتعاون والتواصل مع إخوانك الدعاة، ولا تنتظر منهم الخطوة الأولى.

 

• احترم جهود الآخرين، ولا تنتقص من عملهم، وكن مقدرًا لهم، ومشجعًا لهم.

 

• إذا وقع خلاف، تحاور بالتي هي أحسن، واجعل هدفك الوصول إلى الحق، لا الانتصار للرأي، وتذكر أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

 

وأسأل الله العظيم أن يؤلف بين قلوبنا، ويصلح ذات بيننا، ويهدينا سبل السلام، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، ويجعلنا من عباده الصالحين.

 

روابط ذات صلة:

كيف نبني شراكات دعوية بين المراكز الإسلامية في المهجر؟

هل التعايش ضرورة اجتماعية وإنسانية؟

التعليقات

الرابط المختصر :