الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الحياة الزوجية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
269 - رقم الاستشارة : 3211
08/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أود أن أستشيركم في أمر يشغلني كثيرًا، وأتمنى أن أجد لديكم التوجيه والنصح.
أنا زوجة وأم لطفل يبلغ من العمر عشر سنوات، وقد بدأت أشعر برغبة قوية في إنجاب طفل آخر، سواء كان ولدًا أو بنتًا، لأسباب نفسية وعاطفية واجتماعية. لكن زوجي يرفض الفكرة تمامًا، ويبرر رفضه بأن الظروف المعيشية لا تسمح، وأننا لا نستطيع تحمّل التكاليف الإضافية.
دخلنا في نقاش طويل، وبدأ يحسب لي المصاريف الشهرية التي يتطلبها الطفل، فقال إن أي طفل يحتاج إلى حفاضات وحليب، وقدّر أن الطفل سيكلفنا ألف جنيه شهريًا. لكنني راجعت الحسابات معه، وقلت له إن الطفل يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير، فعدد الحفاضات وحده قد يصل إلى 6 يوميًّا، أي ما يقارب 9 آلاف جنيه شهريًا، بالإضافة إلى الحليب، والإيجار، والمرافق، والطعام، مما يجعلنا بحاجة إلى حوالي 30 ألف جنيه شهريًّا، بينما دخلنا مجتمعًا لا يتجاوز 17.5 ألف جنيه.
اقترحت عليه أن أعمل عملًا حرًا لزيادة الدخل، وقال إنه يمكنه العمل على سيارة أحد الأقارب، لكننا ما زلنا نحتاج إلى تغطية فرق كبير.
ثم بدأ يعدد لي الأشياء التي يجب أن نتخلى عنها: الجبن الرومي، الحلويات، الخروجات، مستحضرات التجميل، وحتى الشامبو والسيروم، وقال لي إنني يجب أن أتنازل عن كل هذه الأمور لأجل الطفل.
سؤالي هو: كيف أوازن بين رغبتي في الإنجاب وبين الواقع المالي؟ وهل من الحكمة أن أضغط عليه في هذا الظرف؟ وهل من الممكن أن يكون رفضه نابعًا من خوف حقيقي وليس مجرد تهرب؟ وكيف يمكنني أن أفتح معه حوارًا هادئًا ومثمرًا دون أن يتحول إلى جدال أو حسابات مرهقة؟
أرجو منكم النصح والتوجيه، وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
أقدر مشاعرك الملحة لإنجاب طفل آخر ومنح طفلك الوحيد أخًا أو أختًا، فالأمومة شعور فطري عند أي أنثى سوية، وبالتالي أنا متفهمة مشاعرك النفسية والعاطفية بل والاجتماعية أيضًا، فأنت لست بحاجة لتبرير شيء بالغ الوضوح، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
الحاجة للذرية هي غريزة عميقة موجودة في النفس البشرية وهي حاجة تأتي في قاعدة هرم الاحتياجات، فبعد احتياج الإنسان للمأكل والمسكن تأتي حاجته للعلاقة الزوجية ثم تأتي حاجته للأبناء وتكوين عائلة ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ...﴾.
لكن العصر الحديث جاء بفلسفات مناقضة لهذه الفطرة الإنسانية، فلسفة متمركزة حول الفردانية والاستهلاكية فتم اعتبار الأبناء قيدًا وضغطًا وتراجعت مؤسسة الأسرة.. تراجعت معدلات الزواج وتراجع إنجاب الأبناء، وأصبحنا نجد أسرًا تكتفي بطفل وحيد لأسباب متعددة.
والسبب الذي ذكره زوجك هو سبب قديم متجدد، إنه الخوف من الفقر الذي دفع الناس قديمًا لقتل الأطفال أو إجهاضهم والذي يجعلهم اليوم يمتنعون عن إنجاب الأطفال لأنهم فقراء أو لأنهم يخافون الفقر، وهذا دلالة واضحة على سوء الظن بالله تعالى ودلالة على عدم وجود إيمان يقيني بكونه سبحانه وتعالى الرزاق الذي يرزق الطفل الذي لا حول له ولا قوة قبل أن يرزق الراشد القادر على الكسب ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.
فإذا ما قاله لك خوف حقيقي من مسألة الرزق فهو ولا شك أسوأ من أن يكون متهربًا لرفضه المسئولية ونحو ذلك، وفي الحالتين فزوجك مخطئ في قيمه وأفكاره وتصوراته، ولكن هذا الخطأ لا ينبغي مواجهته بخطأ أكبر منه، فالقضية حساسة ولا بد من حلها بالرفق واللين والكلمات الهادئة.
ثقافة الاستهلاك
أختي الكريمة، يبدو الاستهلاك جزءًا أصيلاً من منظومة الرأسمالية المتوحشة التي نعيش في ظلالها والتي حوّلت الإنسان لكائن استهلاكي شره لا يفهم إلا متعة الشراء والترفيه، فزوجك يضع إنجاب طفل يوطد أركان العائلة ويمنح طفلكما الوحيد أخًا أو أختًا في إحدى كفتي الميزان ويضع في الكفة الثانية الجبن الرومي والحلوي والنزهة ومستحضرات التجميل.. ومستحضرات التجميل هذه بالذات يعلم هو تأثيرها ووقعها عليك كأنثى، إنه باختصار يقول لك إن عالمك الاستهلاكي الممتع سوف ينهار من أجل ماذا؟ من أجل طفل؟!!
إن الفلسفة الرأسمالية بقيمها الفردانية والاستهلاكية تصل للناس بعيدًا عن التنظير وعالم الأفكار، إنها تصل أكثر عبر آلياتها الناعمة كالدراما، فهناك مسلسل يعرض حاليا اسمه "كارثة طبيعية" يناقش قضية الأمومة والأبوة من منظور الفقر والاستهلاك، والمسلسل وإن كان يجنح للمبالغة الشديدة فإن الفكرة الأساسية حاضرة وبقوة.. كم يكلفني الطفل؟ كم سأدفع لمتابعة الحمل؟ كم سأدفع في الولادة؟ كم سأدفع في الحفاظات؟ كم سأدفع في اللبن؟
في المقابل ما هي الأشياء الاستهلاكية التي اعتدتُ عليها والتي ينبغي عليّ الاستغناء عنها؟
إنها مسألة حسابية بحتة تأتي فيها الأشياء الاستهلاكية التي تقدم المتعة كأولوية، ويكون التفكير كالآتي إذا أردت أن أنجب طفلاً وأحافظ في الوقت ذاته على نفس المستوى المادي الذي أعيش فيه فعليّ أن أقوم برفع دخلي عن طريق المزيد من العمل، سواء للزوج أو للزوجة، وحتى إشعار آخر وحتى يتحقق الهدف المادي نقوم بتأجيل فكرة الطفل حتى نوفر له ما يحتاجه من رزق أولاً.
الفطرة والإيمان
أختي الغالية، إذا كنت أدعوك وزوجك أن تستمعا لصوت الفطرة الذي يدعوكما لإنجاب طفل يدعم عائلتكم الصغيرة فالأهم أن تحسما قضية الرزق وتؤمنا إيمانًا كاملاً أن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق.. نعم ستعملان وتأخذان بالأسباب كلها لكن والإيمان يملأ القلوب بأن الله هو الرزاق وأن هذا الطفل القادم بمشيئة الرحمن الله يرزقه كما يرزقكم، فكل ما عليكم هو السعي دون أن تشغلا العقل بالرزق متى يأتي؟ وكيف يأتي؟
أنت لست بحاجة أن تجلسي أنت وهو كي تحسبا كم يتكلف حليب الطفل؟ وكم تتكلف حفاظاته؟ بل عليكما أن تجلسا وتتفقا أنه لا بد لكما من اليقين بوعد الله عز وجل، والقصص الملهمة أكثر من أن تُروى.
حتى لو قدر الله عليكما الرزق بعض الشيء ما المانع من التقليل من بعض الأمور الاستهلاكية؟ أو حتى الاستغناء عنها.
لذلك أنا أدعوك لجلسة حوار صريحة مع زوجك.. تستمعين فيها إلى مخاوفه وتقومين بتهدئته وتطمينه وبث معاني الإيمان إلى قلبه بعيدًا عن الجدل والحسابات المرهقة.
أختي الكريمة، فليعمل زوجك قدر ما يطيق ويستطيع ويبدع في عمله ويتوكل على الله.. إن استطعت مساعدته فساعديه قدر ما تستطيعين، محاولة صنع توازن في حياتك، فأنت أم بحاجة لبعض الوقت من أجل التربية والتوجيه.. استغني عن الأمور الاستهلاكية التي يمكن استبدالها وقللي من بعضها الآخر واجعلي من بيتك بيتًا منتجًا ولو في بعض التفاصيل الصغيرة.. خذي بالأسباب كلها أنت وزوجك لكن والقلوب متعلقة بالله متوكلة علية واثقة في رزقه.. رزقك الله الخير كله، وتابعيني بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة: