الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5306
11/07/2026
أنا ولد عندي 12 سنة.
والله أنا متردد أكتب، لأني خايف الناس تقول إني مدلل.
أنا من سنتين كنت عملت عملية كبيرة، وقعدت في البيت فترة طويلة.
ماما كانت معايا طول الوقت.
كانت بتأكلني بإيديها.
وتذاكر لي.
وتنام جنبي.
ولو تعبت شوية كانت تجري عليَّ.
أحلى أيام في حياتي كانت الفترة دي، رغم إني كنت مريض.
بعد ما بقيت كويس.. كل حاجة رجعت زي الأول.
ماما بقت مشغولة.
وأخويا الصغير خد جزء كبير من وقتها.
وبابا رجع شغله.
وأوقات بحس إن محدش فاضي لي.
من كام شهر حسيت بدور برد بسيط.
والله يا دكتورة زعلت لما خفيت.
كنت نفسي أفضل تعبان يومين كمان.
ومرة عملت نفسي بطني بتوجعني.
مش علشان أهرب من المدرسة.
لكن علشان ماما تفضل قاعدة جنبي.
ولما لقيتها حضنتني، حسيت براحة كبيرة.
بعدها قمت دخلت أوضتي وفضلت أعيط.
أنا ليه بقيت كده؟
أنا مش بحب الكذب.
بس بحب اهتمام ماما بيا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
ابني
الغالي..
أريد
أن أبدأ معك بجملة واحدة، وأرجو أن تحفظها جيدًا:
أنت
لا تتمنى المرض.. أنت تتمنى القرب.
وهناك
فرق كبير بين الاثنين.
لقد
قرأت رسالتك بعين المستشارة، لكنني قرأتها أيضًا بعين الأم.
ولم
أرَ طفلًا يحب أن يتألم، بل رأيت طفلًا اكتشف، دون قصد، أن المرض كان أسرع طريق
إلى الاحتضان.
وهنا
تبدأ الحكاية.
أولًا:
هل يمكن أن يشتاق الطفل إلى فترة مرضه؟
قد
يبدو هذا السؤال غريبًا.
لكن
الإجابة العلمية هي: نعم... يحدث أحيانًا.
ليس
لأن المرض جميل، ولكن لأن المشاعر الجميلة التي صاحبت المرض كانت كثيرة.
فالطفل
لا يشتاق إلى الحقنة.
ولا
إلى الألم.
ولا
إلى المستشفى.
إنما
يشتاق إلى الأم التي كانت لا تترك يده.
والأب
الذي كان يؤجل أعماله من أجله.
والعائلة
التي كانت تلتف حوله.
ثانيًا:
ماذا حدث داخل عقلك؟
في
علم النفس يسمى هذا: الارتباط الشرطي (Classical Conditioning).
أي
أن العقل ربط بين حدثين تكررا معًا: المرض = الحب والاهتمام.
ومع
تكرار التجربة، أصبح قلبك يتذكر الدفء كلما تذكر المرض.
وهذا
لا يعني أنك تحب المرض، بل يعني أنك تحب الحب.
ثالثًا:
لماذا ادعيت الألم؟
لأن
احتياجاتك العاطفية لم تختفِ.
الذي
اختفى هو الطريقة التي كانت تُلبى بها.
فالطفل
عندما لا يعرف كيف يقول: "اشتقت لحضنك يا ماما"..
قد
يعبر عنها بطريقة أخرى.
مرة
بالبكاء.
ومرة
بالمشكلات.
ومرة
بالأعراض الجسدية.
ويسمى
هذا في علم النفس: السلوك الباحث عن الاهتمام (Attention-Seeking
Behavior).
وأحب
هنا أن أوضح أمرًا مهمًّا:
ليس
كل سلوك يبحث عن الاهتمام هو سلوك سيئ.
فالاهتمام
حاجة نفسية أساسية، لكن الخطأ يكون في الوسيلة، لا في الحاجة نفسها.
رابعًا:
تعلم أن تتكلم وتسأل عن احتياجك، لا أن تمثل المرض
فبدلًا
يا حبيبي من أن تقول: "بطني بتوجعني"
جرب
أن تقول لأمك: "ماما.. وحشتني القعدة معاكي".
صدقني،
الكلمة الصادقة أجمل ألف مرة من المرض.
ولا
تخجل أبدًا من طلب الحضن، أو الجلوس مع والدتك، أو الحديث معها.
فالاحتياج
إلى الحنان ليس ضعفًا.
بل
هو من الفطرة التي خلقنا الله عليها.
خامسًا:
رسالة لكل أم:
أيتها
الأم الحبيبة..
أحيانًا
يشفى جسد الطفل، لكن يظل قلبه متعلقًا بمستوى الاهتمام الذي وجده أثناء مرضه.
فإذا
عاد كل شيء فجأة إلى الانشغال، قد يحاول الطفل - دون وعي - إعادة الظروف التي كانت
تجمعه بك.
ليس
لأنه مخادع، بل لأنه مشتاق.
فخصصي
له كل يوم عشر دقائق تكون له وحده.
بلا
هاتف.
ولا
أعمال منزلية.
ولا
مقاطعات.
ستجدين
أن كثيرًا من السلوكيات التي كنت تظنينها عنادًا، كانت في حقيقتها طلبًا للحب.
قال
تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، والرحمة ليست في
علاج المرض فقط، بل في مرافقة القلوب وهي صحيحة أيضًا.
وكان
رسول الله ﷺ يقبِّل الحسن والحسين، ويحملهما، ويلاعبهما، ولم ينتظر أن يمرضا حتى
يظهر لهما الحنان.
*
وهذه رسالة عظيمة لكل والد ووالدة:
لا
تؤجلوا الحنان حتى يأتي الألم.
*
همسة أخيرة:
يا
بني، لا تجعل المرض هو اللغة الوحيدة التي تطلب بها الحب.
فأمك
ستفرح كثيرًا لو قلت لها: "ماما، محتاج حضنك".
وربما
تكون هذه الكلمة أعظم عندها من ألف شكوى.
روابط ذات صلة:
أشعر بالذنب حيال نفوري من ابنتي!!