في المشيب.. كيف نوازن بين خوف الموت ورجاء الرحمة؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته<span dir="LTR">..</span></p> <p>أنا أخوكم رجال كبير في السن وشيبت، وبعد ما تقاعدت قلت خلاص أتفرغ لربي وللعبادة. لكن والله عندي خوفٍ مو طبيعي من الموت<span dir="LTR">.</span></p> <p>كل ما جيت أنام وحطيت راسي على المخدة، أتخيل أني سأموت هذه الليلة، وأدخل قبري. وأشيل هم الحساب.</p> <p>هالخوف صابني بضيق واكتئاب، وخلاني أحيانًا أقنط من رحمة ربي<span dir="LTR">.</span></p> <p>أبي أعرف شلون أوازن بين خوفي من الحساب، وبين إني أحسن الظن بالله وأرتجي فضله ونعيمه؟</p> <p><span dir="RTL">ودي والله أقابل ربي وأنا مشتاق لجنته، مو وأنا أنتفض وخايف.</span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، أسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك، ويحسن عملك، ويشرح صدرك، وأن يجعل شيبتك هذه نورًا لك يوم القيامة، وأن يملأ قلبك طمأنينة وسكينة، ويقر عينك برؤية مقعدك من الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فيا أخي الكريم، إن ما تجده في نفسك من خوف هو في أصله بذرة «التقوى» التي تجعل المؤمن يخشى الوقوف بين يدي ربه. ولكن الشيطان -لعنه الله- يدخل للإنسان من باب «الخوف» ليحوله إلى «قنوط»، وهنا تكمن المشكلة. فالموت يا أخي ليس نهايةً مظلمة للمؤمن، بل هو «جسر المحب» الذي يوصله إلى حبيبه وخالقه، وهو البداية الحقيقية لحياة لا كد فيها ولا نصب.

 

الخوف والرجاء جَناحان

 

يقول العلماء إن المؤمن في سيره إلى الله كطائر، رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء. فإذا استوى الجناحان طار الطائر وأبدع، وإذا تأخر أو نقص أحدهما وقع الخلل.

 

وإن العبد في حال شبابه وعافيته، ينبغي أن يُغلِّب الخوف قليلًا حتى ينزجر عن المعاصي. أما في حال الكِبَر والمرض وقرب اللقاء، فينبغي أن يُغلِّب الرجاء.

 

وأنت الآن يا أخي قد شبت في الإسلام، والله -عز وجل- أكرم من أن يشيب عبده في الإسلام ثم يعذبه. استمع إلى قول النبي ﷺ: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» [رواه مسلم].

 

كيف تُحسن الظن بالله؟

 

حين يأتيك الشيطان عند النوم ليصور لك القبر وحيدًا وموحشًا، تذكَّر أن الله الذي رعاك وأنت طفل صغير، وأطعمك وسترك وأنت شاب، ورزقك الستر والصحة حتى بلغت المشيب، لن يتخلى عنك وأنت ضيفه في القبر.

 

والله -تعالى- يقول: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» [متفق عليه]. فإن ظننت به رحمةً فلك الرحمة، وإن ظننت به جنةً فلك الجنة.

 

وتأمل يا أخي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. إذا كان هذا نداءه للمسرفين، فكيف بندائه لك وأنت مقبل على طاعته وعبادته؟!

 

 القبر للمؤمن روضة

 

الخوف من القبر ينبع من تخيله سجنًا أو حفرة؛ لكنه للمؤمن هو أول منازل الكرامة. فقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا وضع في قبره: «يُنادي منادٍ من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له فيها مد بصره» [رواه أبو داود].

 

تخيل يا أخي هذا الفَسح، وهذا الطِّيب، وهذا النور، وأنت تستحقه بإذن الله.

 

يُروى أن رجلًا مرض، فقيل له: إنك تموت. قال: وإلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله. قال: «فما وجدنا الخير إلا من الله، أفنخشى لقاءه؟».

 

وسُئل أحد السلف: كيف القدوم على الله؟ فقال: «أما المطيع، فكغائب قدم على أهله مسرورًا، وأما العاصي، فكعبد آبق (هارب) أُتي به إلى مولاه خائفًا».

 

وأنت يا أخي -بإذن الله- من النوع الأول، أنت غائب طال سفره في الدنيا، والآن يقترب موعد عودته إلى وطنه الحقيقي (الجنة) وإلى ربه الرحيم.

 

 خطوات عملية لطرد الاكتئاب والقلق

 

1- أذكار النوم: عندما تضع رأسك على الوسادة، اقرأ آية الكرسي والمعوذات، وقل بقلب حاضر: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، رغبة ورهبة إليك». واستشعر أنك في ذمة الله ورعايته.

 

2- تذكَّر أعمالك الصالحة: لا بأس أن تتذكر صلاتك، وصدقتك، وتربيتك لأبنائك، ودمعة خشيتك، وكل أعمالك الصالحة، وتقول: «يا رب، بذلت جهدي بضعفي، فاقبلني بكرمك».

 

3- صحبة المتفائلين: ابتعد عن أخبار الموت المخيفة أو القصص التي تركز على العذاب فقط، واقرأ في كتب الرقائق التي تتحدث عن الجنة ونعيمها.

 

4- الدعاء: ادعُ الله -عز وجل- نحو: «أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة» [رواه النسائي].

 

وختامًا أخي الكريم، إن الله لا يخذل قلبًا لجأ إليه. لا تجعل الخوف يسرق منك لذة القرب من الله. إن الموت ليس عدوًا، بل هو الباب الذي يغلق خلفنا ضجيج الدنيا وهمومها، ليفتح لنا آفاق الخلود والنعيم بإذن الله.

 

نم قرير العين، وتيقَّن أن لك ربًّا رحيمًا، ودودًا، حليمًا، يحب أن يرى عبده مشتاقًا للقائه مقبل عليه بفرح واستبشار.

 

وفقك الله ورعاك، وشرح صدرك، وملأ قلبك أمنًا وإيمانًا واطمئنانًا.

 

روابط ذات صلة:

الخوف من الموت بعد وفاة قريب.. وسواس أم يقظة إيمان؟

تُبت ولكني خائف من قدوم ملك الموت.. كيف أطمئن؟

كيف أوازن في نيتي بين خوفي من النار وشوقي إلى الجنة؟

هل يكفي «حب الله» لعبادته؟ أم لا بد من الخوف والرجاء؟