كيف نطور خطابنا ووسائلنا الدعوية لجذب المراهقين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 13
  • رقم الاستشارة : 5633
18/08/2026

السلام عليكم..

أنا داعية شاب عمري ٢٨ سنة، وأعمل في مجال الدعوة الشبابية، وأواجه صعوبة كبيرة في جذب فئة المراهقين (من 12 إلى ١٨ سنة) إلى الأنشطة الدعوية والمسجدية، فهم يعيشون في عالم افتراضي مختلف، واهتماماتهم تنصب على مواقع التواصل، والألعاب الإلكترونية، والمشاهير، والأغاني، والموضة، ويشعرون بالملل من الخطب والمحاضرات التقليدية التي تقدم لهم، ويجدونها متخلفة عن عصرهم، ولا تخاطب عقولهم ولا تعبر عن لغتهم ولا تفهم تحدياتهم.

جربت عدة أساليب تقليدية لكنها فشلت، وأحيانًا يشعرون بالنفور من الدين نفسه بسبب طريقة الطرح الخاطئة.. كيف يمكننا تطوير خطابنا الدعوي ليكون أكثر جاذبية وتأثيراً في هذه الفئة العمرية الحيوية، وما هي الوسائل التي تصل إلى عقولهم وقلوبهم وتجعلهم يتفاعلون مع الدعوة بحماس؟

الإجابة 18/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيها الداعية الشاب المتميز، بارك الله في حماسك وحسن سعيك لفئة هي عماد المستقبل وحصن الأمة الحصين.

 

إن ما تطرحه من صعوبات في الوصول إلى فئة المراهقين هو تحدٍ عالمي يواجهه الدعاة والمربون في كل مكان، وهو يعكس فجوة عميقة بين أساليب الدعوة التقليدية وبين عقلية الجيل الجديد الذي تربى في أحضان الثورة الرقمية.

 

وهذا الجيل يحتاج إلى "منهجية دعوية جديدة" تراعي خصائص مرحلته العمرية، وهي مرحلة التمرد والبحث عن الذات، والتشكيك في الموروث، والانجذاب نحو التجديد والمغامرة، وفي الوقت نفسه هي مرحلة حساسة تتوق إلى القدوة الصادقة، والحوار المحترم، والانتماء إلى جماعة ذات قيم.

 

ولذلك، فإن نجاح الدعوة معهم يتطلب منا تحولاً جذريًّا في أسلوبنا، لا في مضموننا، فالرسالة الإسلامية ثابتة، لكن قنوات إيصالها وأدوات التعبير عنها يجب أن تتجدد وتتطور لتواكب متغيرات العصر، وهذا ما نسميه "التأهيل الفكري والمنهجي للدعاة" الذي يؤكد على أهمية التجديد في الأساليب والوسائل، مع الحفاظ على أصول الدين وثوابته.

 

إن المفتاح الأساسي لنجاح الدعوة مع المراهقين هو الانتقال من أسلوب "الإملاء والتوجيه" إلى أسلوب "الحوار والتفاعل"، ومن أسلوب "الوعظ والتخويف" إلى أسلوب "الترغيب والإقناع" المبني على الحكمة والموعظة الحسنة. يجب أن يكون الداعية قريبًا منهم، يفهم لغتهم، ويشاركهم اهتماماتهم، ويتعاطف مع تحدياتهم، ويكون صديقًا ناصحًا قبل أن يكون معلمًا متسلطًا. وهذا يتطلب من الداعية أن يكون مؤهلاً في "مهارات الحوار والإقناع والتأثير"، وأن يكون قدوة حسنة في سلوكه وأخلاقه، وأن يقدم لهم نماذج إسلامية شابة ناجحة ومؤثرة في مختلف المجالات العلمية والفنية والرياضية والاقتصادية، ليروا أن الإسلام ليس دين كبار السن فقط، بل هو دين الحياة والنشاط والتميز.

 

ولتطوير خطابنا الدعوي للمراهقين، أقترح البرنامج العملي التالي:

 

أولاً: إنشاء منصة رقمية شبابية جذابة ومبتكرة، على شكل قناة يوتيوب، أو بودكاست، أو تطبيق، أو موقع إلكتروني، أو صفحات على وسائل التواصل، تقدم محتوى دعويًّا عصريًّا بلغة الشباب، وبأسلوب بصري وسمعي جذاب، ومتنوع بين المقاطع القصيرة المسلية، والمواد العلمية المبسطة، والبرامج الحوارية، والمسابقات الثقافية، والعروض التقديمية المبدعة، والقصص الواقعية المؤثرة.

 

وهذا المحتوى يجب أن يركز على تقديم الإسلام على أنه دين الحياة، والجمال، والوسطية، والانفتاح، والتميز، وليس دين التشدد والتزمت والانغلاق. وهذا النوع من المحتوى يندرج تحت "مهارات استخدام الإعلام الإلكتروني في الدعوة" التي أصبحت ضرورة في عصرنا الحالي، لأنه الوسيلة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في هذه الفئة العمرية.

 

ثانيًا: إقامة أنشطة وفعاليات شبابية ميدانية خارج جدران المسجد، مثل المخيمات الكشفية، والرحلات الاستكشافية، والدورات الرياضية، والأمسيات الثقافية، والورش الفنية، والأعمال التطوعية، والزيارات الميدانية للمعالم التاريخية والعلمية. هذه الأنشطة تكسر الروتين وتجذب الشباب، وتخلق جوًا من المرح والألفة والتعاون، وتتيح فرصة ذهبية للدعاة للتواصل معهم في بيئة غير رسمية، وبناء علاقات شخصية وثيقة معهم، وتقديم التوجيه والنصح بطريقة غير مباشرة، من خلال القدوة والمواقف الحياتية، وهذا من أنجح أساليب "التأهيل العملي" التي تؤثر في النفوس وتزرع القيم في القلوب دون تكلف أو تصنع.

 

ثالثًا: إشراك المراهقين أنفسهم في تصميم وتنفيذ البرامج الدعوية الموجهة لهم، وتكوين فرق شبابية تطوعية، وتدريبهم على القيادة والتنظيم والعمل الجماعي، وإعطائهم مسؤوليات حقيقية تشعرهم بالثقة والتقدير والانتماء.

 

وهذا "يكتشف المواهب الدعوية وينميها"، كما كان النبي ﷺ يفعل مع الصحابة الشباب، حيث كان يكلفهم بمهام دعوية كبيرة في سن مبكرة، مثل مصعب بن عمير الذي أرسله إلى المدينة وهو شاب، وعلي بن أبي طالب الذي تولى قيادة الجيوش وهو في سن الشباب، وأسامة بن زيد الذي أمره على جيش وهو حدث السن. هذه النماذج تثبت أن الشباب قادرون على العطاء والتأثير متى ما أُحسن تأهيلهم وتوجيههم، وأن إشراكهم في صنع القرار الدعوي يزيد من حماسهم والتزامهم.

 

وختامًا، أنصحكم بما يلي:

 

• احرصوا على استخدام لغة شبابية معاصرة، بعيدة عن التعقيد والتكلف، وتعكس روح العصر، دون تفريط في الفصاحة والبيان، وتجنبوا المصطلحات الدارجة غير اللائقة والمبتذلة.

 

• تعاملوا مع المراهقين برفق وحكمة، واصبروا على أخطائهم وتجاوزاتهم، ولا تنفروهم بالقسوة أو التوبيخ، وتذكروا قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، وكيف تعامل معه النبي ﷺ بالرفق واللين، وأمر بتركه حتى يقضي حاجته، ثم علمه برفق.

 

• كونوا على تواصل دائم مع أولياء أمورهم، لتنسيق الجهود التربوية، ومعرفة مشاكلهم واحتياجاتهم، وتقديم الدعم المناسب لهم في بيوتهم، فالأسرة هي الحاضنة الأولى للشاب، وتعاون الداعية مع الأسرة يضاعف الأثر التربوي.

 

وأسأل الله أن يفتح قلوب الشباب لدينه، وأن يثبتهم على هديه، وأن يوفقكم لتقديم الخطاب الدعوي الأمثل لهم، وأن يجعلهم قادة صالحين في مستقبل أمتهم.

 

روابط ذات صلة:

كيف نطور المحتوى الدعوي الرقمي الموجه للشباب؟

الرابط المختصر :