الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 5399
26/07/2026
اقترضت من صديق لي مبلغاً من المال قبل خمس سنوات لإنشاء مشروع، والآن أريد رده له، لكن القيمة الشرائية للعملة المحلية انهارت تماماً بسبب التضخم ولم تعد تساوي ثلث قيمتها السابقة؛ فهل يجب عليّ رد نفس الرقم العددي الذي اقترضته، أم يلزمني رده بقيمته الشرائية وقت السلف تلافياً للضرر؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن عقد القرض في
الشريعة الإسلامية يُعدّ من عقود الإرفاق والمواساة والإحسان، التي حث عليها الدين
الحنيف لتيسير أمور الناس وقضاء حوائجهم دون ابتغاء ربح أو فائدة تجارية. ولما كان
القرض قائمًا على المروءة والسماحة، فإن الشريعة حرصت كل الحرص على صيانة مال
المقرض المحسن وحمايته من التآكل أو الضياع، تطبيقًا للمبدأ القرآني الخالد: ﴿هَلْ
جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وفي الوقت ذاته مراعاة
عدم إرهاق المقترض بما لا يطيق.
اختصارًا: إذا كان انخفاض قيمة العملة طفيفًا أو في حدود التضخم المعتاد والمتوقع بين
الناس، فالواجب الشرعي بإجماع العلماء هو رد المثل العددي للمبلغ المقترض دون
زيادة أو نقصان.
أما في حالتك المذكورة — حيث انهارت القيمة الشرائية
للعملة خلال خمس سنوات بشكل حاد وفاحش وفقدت أكثر من ثلثي قيمتها فأصبحت لا تساوي
ثلث قيمتها السابقة— فإن القول برد الرقم العددي المجرد يلحق ضررًا فاحشًا ومُجحِفًا
بالمقرض، ويُذهب جُلّ قيمة ماله الذي أقرضه لك على سبيل الإحسان.
وبناءً على ترجيحات المجامع الفقهية المعاصرة وكبار
المحققين من العلماء، فيلزمك معالجة هذا الضرر بإحدى الطرق الآتية:
تقويم الدين بالذهب: معرفة كم كان يساوي المبلغ المقترض من الذهب بالجرامات يوم أخذ القرض
قبل خمس سنوات، وتسديد قيمته الحالية بالعملة المحلية وفق سعر الذهب اليوم.
الصلح والتراضي: الاتفاق بينك وبين صديقك على قسمة الخسارة أو تقاسم التضخم بينكما
بالتراضي، بحيث يُرفع الضرر الفاحش عنه دون إلحاق مشقة غير مقدورة بك.
حسن الوفاء: فإذا كان الله قد منّ عليك وربح مشروعك وأصبحت ميسورًا فدفعت لصاحبك قيمة
ماله أو أكثر منها عن طيب خاطر وبلا شرط منه، فهو قربة منك إلى الله، ومحسوب في
حسن الوفاء، وإنما الربا مع الشرط، فإذا لم يشترط عليك صاحبك زيادة فهو محض عطاء
منك ولا ربا فيه.
وتفصيلاً: فتُعدّ مسألة تغير قيمة العملة وتأثير التضخم على الديون من المسائل
الفقهية التي أُفردت لها الدراسات، وتتلخص آراء الفقهاء فيها على النحو الآتي:
· جمهور الفقهاء من المالكية
والشافعية والحنابلة والحنفية في القول المعتمد يرون أن الأصل في المكيلات
والموزونات والمعدودات ومنها النقود أن تُقضى بأمثالها لا بقيمتها؛ ما دامت العملة
نافذة ومستعملة ولم تنقطع من الأسواق، بغض النظر عن التغير في قيمتها ارتفاعًا أو
نزولا.
· رأي الإمام أبي يوسف تلميذ
الإمام أبي حنيفة وطائفة من الفقهاء: يرى الإمام أبو يوسف أنه إذا تغيرت قيمة
النقود برخص أو غلاء شديد يخرج عن المعتاد، فإن الواجب هو أداء قيمة النقود يوم
أخذ القرض وليس رد المثل العددي؛ لأن المقترض إنما استولى على قوة شرائية ومال متقوم،
فإذا انهارت قيمتها وجب رد القيمة دفعًا للضرر.
جاء في حاشية ابن عابدين في أحكام النقدين: «وقال أبو
يوسف: يلزمه قيمتها يوم القبض... لأن المشتري أو المقترض إنما استقرض أو اشترى
مالاً متقومًا، فإذا تغيرت قيمته تغيرًا كبيرًا وجب رد القيمة دفعًا للضرر الفاحش
عن الدائن».
قرارات المجامع الفقهية والاجتهاد المعاصر في قضاء
الديون في زمن التضخم الفاحش
اتجهت المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء المعاصرة إلى
التمييز الدقيق بين "التضخم اليسير" المعتاد، وبين "التضخم الفاحش
والانهيار النقدي":
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي
ناقش المجمع هذه المسألة في عدة دورات، وصدر عنه القرار
رقم 42 5/4، ثم تبعه القرار رقم 115 12/12 في دورة المجمع الثانية عشرة، وجاء فيه
تفصيل حاسم: «إن الأصل في الديون الثابتة بإحدى العملات أن تقضى بمثلها لا
بقيمتها، لأن الديون تقضى بأمثالها... ولكن إذا وقع انخفاض فاحش في قيمة العملة
يخرج عن القواعد المعتادة، ويترتب عليه ضرر بيّن للمقرض، فإن الأخذ بظاهر رد المثل
يؤدي إلى إلحاق الضرر الفاحش به وهو ممنوع شرعًا. وفي هذه الحالة يُصار إلى تعديل
الدين، إما بالصلح والتراضي بين الطرفين، أو بتقويم الدين بالذهب أو بعملة أُخرى
ثابتة وقت ثبوت الدين في الذمة، رفعاً للضرر ومراعاةً للعدل».
المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة
للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI
نص المعيار الشرعي رقم 1 ورقم 19 الخاص بالتضخم وتغير
قيمة العملة على:
«إذا حدث انخفاض فاحش في قيمة العملة التي جرى بها
التداين — بحيث يفقد النقد جزءًا كبيرًا من قوته الشرائية غير معتاد في التقلبات
الاقتصادية — فإن الواجب لا يقتصر على أداء المثل العددي، بل يُرجع في قضاء هذا
الدين إلى التراضي والصلح بين الدائن والمدين على توزيع الضرر، أو تقويم الدين
بسلعة استراتيجية كالذهب يوم نشوء الدين في الذمة».
رأي العلامة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله
يُعتبر الشيخ مصطفى الزرقا من أسبق العلماء المعاصرين
الذين انتصروا لمذهب الإمام أبي يوسف في حالة الانهيار النقدي، حيث جاء في فتاواه:
«إذا انهارت القيمة الشرائية للعملة انهيارًا كبيرًا وفاحشًا، فإن إلزام الدائن
بأخذ الرقم العددي نفسه هو صريح الظلم، وإهدارٌ لماله دون مقابل. والواجب في مثل
هذه الجوائح الاقتصادية الاعتماد على "القوة الشرائية" أو تقويم المبلغ
بسعر الذهب يوم أخذ القرض؛ لأن العدل هو عماد الشريعة، والعدل يقتضي رد القيمة عند
تفاحش الضرر».
رأي الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
فرق الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع على زاد المستقنع
جـ 9 / صـ 112 بين التغير الطفيف والانهيار الكسادي «إذا كان التغير في قيمة
النقود يسيرًا فهذا مما يتسامح الناس فيه، والواجب رد المثل. أما إذا كان التغير
كبيرًا جدًّا وانهارت العملة انهيارًا فاحشًا، فإن القول بإلزام الدائن بـرد المثل
فيه ضرر ظاهر، والشريعة جاءت بنفي الضرر... فالأقرب للعدل والقواعد الشرعية في هذه
الحالة تقويم النقود بسلعة مستقرة كالذهب وقت الاستقراض وإعطاء الدائن قيمتها».
القواعد الفقهية الحاكمة في أحكام
قضاء الديون في زمن التضخم الفاحش
قاعدة: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ»
وهي نص حديث نبوي شريف وقاعدة كبرى؛ فإلزام صديقك المقرض
المحسن بتبعة انهيار العملة لفترة 5 سنوات واستلام ثلث قيمة ماله الأصلية يُعدّ
ضرارًا صريحًا بماله، والشرع ينفي الضرر ولا يقرّه.
قاعدة: «الضَّرَرُ يُزَالُ»
توجب هذه القاعدة التدخل لتدارك الضرر الواقع على المقرض
نتيجة التضخم الفاحش والجائحة الاقتصادية، وذلك بإعادة التوازن والعدل للعقد.
قاعدة: «الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ» وقاعدة «هَلْ جَزَاءُ
الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ»
أنت بصفتك مقترضًا قد انتفعت بالمبلغ في تأسيس مشروعك
وتنمية أعمالك في ذلك الوقت، بينما المقرض قدم المال إحسانًا دون فائدة؛ فلا يصح
عقلاً ولا شرعًا أن يتحمل المقرض المحسن وحده الغرم والخسارة الناجمة عن انهيار
العملة.
قاعدة: «الْمِثْلِيَّاتُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا مَا لمْ
يَتَفَاحَشْ الضَّرَرُ»
هذه القاعدة تبيّن أن أصل قضاء الديون بالرقم العددي ليس
حكمًا مطلقا، بل هو مقيد بعدم تفاحش الضرر، فإذا تفاحش الضرر انتقل الحكم تلقائياً
من "رد المثل" إلى "رد القيمة". والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: