أخي يستغني عنا بالسماعات!!

أخويا عنده 15 سنة، من أول ما يصحى يحط السماعات، يأكل وهو سامع حاجة، ويقعد في أوضته بالساعات. لما نتكلم معاه يقول لنا: "أنا مرتاح كده" مش عارفة ده طبيعي ولا هو بيهرب من البيت؟

ابنتي العزيزة، أحب أن أبدأ من نقطة شديدة الأهمية: لا نريد أن نفسر كل انسحاب للمراهق باعتباره مشكلة، ولا نريد أيضًا أن نطمئن بشكل أعمى ونترك أي تغير يمر دون ملاحظة.

 

المراهقة مرحلة يحدث فيها تغير كبير في العلاقة بين الفرد وذاته وبين الأسرة والعالم الخارجي. المراهق يبدأ في اكتشاف: "ما الذي أحبه؟" "ما الذي يخصني؟" "ما الذي أريد أن أفعله وحدي؟" وهنا تظهر حاجة تسمى الخصوصية النفسية (Psychological Privacy).

 

السماعات بالنسبة له قد تكون وسيلة للترفيه، أو التركيز، أو تنظيم المزاج، أو ببساطة خلق مساحة شخصية.

 

لكن هناك سؤال أهم من السماعات:

 

ليس: لماذا تضع السماعات؟

 

بل: ماذا يحدث في حياته عندما يخلع السماعات؟

 

هل يتحدث مع الأسرة؟

 

هل يضحك؟

 

هل يمارس نشاطًا؟

 

هل يذهب إلى المدرسة؟

 

هل لديه أصدقاء؟

 

هل يأكل وينام بصورة طبيعية؟

 

هل لا يزال يستمتع بالأشياء التي كان يحبها؟

 

إذا كانت حياته تعمل بصورة طبيعية، فقد يكون الأمر مجرد وسيلة شخصية للراحة.

 

أما إذا كانت السماعات جزءًا من انسحاب شامل من الحياة، فهنا ننتبه.

 

- لا تحاصروا المراهق بالاستجواب..

 

أسوأ طريقة هي:

 

"أنت بتستخبى مننا ليه؟"

 

"إيه اللي بتسمعه؟"

 

"أكيد في حاجة غلط".

 

لأن المراهق سيشعر أن خصوصيته مهددة، وقد يزيد الانغلاق.

 

الأفضل أن تقولي له: "أنا ملاحظة إنك بتحب السماعات جدًّا، ولو هي بتريحك أنا مش ضدها، بس يهمني أعرف إنك كويس ومبسوط".

 

ثم اتركي مساحة. هذا يسمى التواصل غير التحكمي.

 

- ضعوا حدودًا صحية..

 

الخصوصية لا تعني غياب الحدود.

 

يمكن الاتفاق على أوقات:

 

لا تستخدم فيها السماعات أثناء الحديث العائلي.

 

ولا أثناء عبور الشارع أو أي موقف يحتاج فيه إلى الانتباه.

 

ولا تكون سببًا في تعطيل النوم أو الدراسة.

 

وهنا نحن لا نقول: "السماعات ممنوعة".

 

بل نقول: "استخدمها، لكن ضمن نظام".

 

وهذا هو مفهوم الحدود المرنة (Flexible Boundaries).

 

- وانتبهوا إلى مؤشرات تستحق التقييم..

 

إذا ظهر إلى جانب العزلة فقدان مستمر للاهتمام، تراجع دراسي واضح، تغير شديد في النوم، اضطراب ملحوظ في الشهية، عصبية غير معتادة أو انسحاب اجتماعي شديد؛ فالأفضل أن يتحدث أحد الوالدين معه بهدوء، وقد تكون الاستشارة المتخصصة مفيدة.

 

ليس لأننا "نبحث عن مرض"، وإنما لأننا نلتقط التغير مبكرًا.

 

وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، والأسرة التي تتعاون مع ابنها لا تنتظر حتى يتحول الصمت إلى جدار.

 

همسة أخيرة:

 

المراهق لا يحتاج أن تقتحم كل أبوابه، لكنه يحتاج أن يعرف أن وراء الباب أسرة لا تحكم عليه، وإنما تنتظره بحب عندما يكون مستعدًا للكلام.

 

روابط ذات صلة:

يختفي داخل هاتفه.. كيف نستعيده؟!

ابني يعيش داخل هاتفه!!