ما هي حدود التنازل من أجل الزواج؟

السلام عليكم ورحمة الله.. أنا فتاة أبذل كل جهدي لتطوير نفسي في شتى المجالات الحياتية وكل ما تقدم لي خاطب أشعر أنه أقل مني بكثير والجميع يقول لي يجب أن تتنازلي.. فإلى أي حد يجب أن أتنازل؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

دعينا نتفق -ابنتي الغالية- أنه لا يوجد إنسان مثالي وكامل لا رجلاً ولا امرأة، وأن الأنبياء فقط من لهم الكمال الإنساني، أما بقية البشر فيحاولون المقاربة من الاكتمال فيصيبون ويخفقون بقدر ما بذلوا من جهد وطاقة وبحسب ما يمتلكون من استعدادات.

 

وأنت -غاليتي- سعيت لتطوير نفسك في شتي المجالات الحياتية وهذا جهد جميل أن يصبح الإنسان أفضل نسخة ممكنة من نفسه أو يحاول أن يقترب منها، ولكن سؤالي لك: ما هو هدفك من هذا التطوير؟ أن تعيشي حياة طيبة تظللها السكينة أم أن الهدف الحقيقي هو الدخول في وضع المنافسة والمسابقة مع الآخرين.. مسابقة من الأفضل؟ من الأكثر نجاحًا؟ من الحاصل على شهادة تعليمية أعلى؟ من صاحب الراتب الأكبر؟ وهكذا...

 

للأسف يا ابنتي نحن نعيش في ظلال ثقافة المسابقة.. ومن الأفضل والأعلى؟ بطريقة تجعلنا لا نكاد نهدأ ونستمتع بما حققناه وبما بين أيدينا بالفعل.

 

هذه ليست دعوة لكبت الطموح بالتأكيد، ولكنها دعوة لضبط البوصلة، فلا يكفي أن نجري حد اللهاث إذا كانت البوصلة خاطئة.

 

المنافسة بين الزوجين

 

ابنتي الكريمة، بعض الفتيات (وأرجو ألا تكوني منهن) حولن الزواج لمنافسة بين السيرة الذاتية للزوج والزوجة فهي لا تقبل بشخص سيرته الذاتية أقل منها في أي جانب فكأنها تبحث عن نسخة أخرى من نفسها تشبهها تمامًا أو تتفوق عليها وهذا يختلف تمامًا عن مفهوم التكامل والتكافؤ الزواجي الذي يحقق الاستقرار والسكينة.. الكارثة الحقيقية لو كانت الناس في خلفية الصورة.. هنا تنشغل الفتاة برأي الناس في زوجها وزواجها، فهل سيقال عليها إنها تزوجت بالرجل المثالي أو شبه المثالي أم سيقال عنها مسكينة كان من الممكن أن تتزوج الأفضل.

 

فقه أولويات الزواج

 

ابنتي الغالية، لو نظرت لمقاصد الشريعة ستجدين أننا نتحدث عن ثلاثة مستويات:

 

مستوى يطلق عليه الضرورات.

 

مستوى يطلق عليه الحاجيات.

 

مستوى يطلق عليه التحسينات.

 

بإمكاننا عندما نقيم الزوج نقيمه بناء على هذا المنظور الثلاثي؛ فالضروريات أن يكن الرجل حسن الخلق يحافظ على الصلاة والفروض الأساسية، قادر على النفقة ولو في حدها الأدنى، حاصل على قدر من التعليم، وقادر على إدارة الحياة.

 

أما الحاجيات فهي ترتفع درجة في هذه المستويات بحيث تبدو الحياة أكثر سلاسة فيكون تعليمه جامعيًّا أو موازيًا للتعليم الجامعي في الدرجة، لديه ذكاء اجتماعي، قادر على أن يجعلك تعيشين في نفس مستواك المادي والاجتماعي، طبعًا مع الحفاظ على الفروض الدينية وحسن الخلق، وهنا نتطلع لقدر من العلم الشرعي يتجاوز المعلوم من الدين بالضرورة لمستوى أعلى من الفهم والتدبر.

 

إذا وصلنا لمستوى التحسينات فسنجد أنها بالتأكيد درجات وهنا نتحدث عن مستوى أرقى في التعليم والعمل ومستوى مادي مرتفع ومهارات حياتية و.. و.. وكثير من الأمور التي تسعين لتطويرها في نفسك.

 

منظورك الشخصي الثلاثي

 

ابنتي الكريمة، ما يمكن أن نطلق عليه الحاجيات عند البعض قد يكون هو مستوى التحسينات عند أخريات بالتأكيد فالمسألة نسبية؛ لذلك أنت بحاجة لعمل هذا المنظور الثلاثي لنفسك..

 

عليك أن تسألي نفسك هذه الأسئلة:

 

ما هي الأشياء الضرورية التي يستحيل زواجك لو كان أحدها مفقودًا؟

 

ما هي الحاجيات التي يمكن أن تقنعك بالتفكير الجدي في الزواج من أحدهم بغض النظر عن المقارنة بينك وبينه؟

 

ما هي التحسينات التي يمكنك الاستغناء عنها أو عن بعضها في مقابل تحقيق العفاف والاستقرار العاطفي لك؟

 

أنت وحدك من تستطيعين الإجابة، كل ما أريده أن تكوني صادقة مع نفسك ومع واقعك وأن تنظري للصورة الكلية ولا تكتفي بالنظر لبعض أجزائها.. فقد تقبل فتاة في بداية الثلاثين الزواج من شخص سبق ورفضت الزواج بمثله لأنه يقل عنها درجة في التعليم أو الراتب ونحو ذلك؛ لأن الأمومة بالنسبة لها في هذه المرحلة العمرية أولوية، لكن نقول لها إياك والتنازل عن الضروريات من خلق ودين.

 

الأمر الثاني إذا قبلت الفتاة التنازل عن بعض الحاجيات أو التحسينات، فينبغي ألا تعض أصابع الندم على ما تركته وتجعل حياتها وحياة زوجها مؤلمة لأنها تتذكر المفقود أكثر مما تتذكر الموجود، فإذا قبلت بالتنازل عن صفة أو شرط فليكن بطيب نفس وسماحة وتوكل على الله وتقبل بقوامة هذا الرجل دون غضاضة ودون أن تشعر أو تشعره أنه غير كاف لها.. يسر الله أمرك يا ابنتي، وإن أردت النقاش حول شخص بعينه فلا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

من هو الزوج الصالح؟