<p>مطلقة منذ سنوات وأشعر بفراغ عاطفي شديد، أنا شابة مطلقة وأم لبنتين، منفصلة منذ سنوات طويلة، وكان طلاقي بسببه أفراد عائلته؛ فلم يكن القرار منه، بل كان يفعل ما يريدون، لا يهم إن كان خطأً أم صوابًا. أتعب من الحديث في صفحة مطوية، لكن الأمر كان عبارة عن مظلمة يتولى أمرها الله.</p><p>الآن ما مضى لا معنى له، وأتفكر في حياتي وكيف ضاعت سنوات عمري. لا أخفيكم أنني أحيانًا أتأمل ملامحي، وكيف أن كل هذا الجمال في هكذا حياة. دخلت بيت الزوجية بكل جهدي، ولكن شاءت الأقدار أن يحملوا ذنبي وذنب بناتي في أعناقهم الذي فات لا يعنيني، فهو في يد الله منذ ذلك الوقت وحتى قيام الساعة، ولن يضيع الله لي تعبًا ولا جهدًا.</p><p> أنا أملك إيمانًا شديدًا بالله وباختبارات هذه الحياة والصبر عليها، والإنسان عند الله لا يضيع له تعب. تعلمت أن أقول لكل الأشياء التي يؤذيني بها الناس: إنها لله. يا رب، إني احتسبت جهدي وتعبي لك ولوجهك الكريم، لأن ذلك عند الله ليس بمهدور.</p><p>أشعر بفراغ في قلبي، وأنا شديدة على نفسي أمنعها من الزلل، ولكنني في شريعة الله والزواج الحلال حُرمت، وتطلقت بهتانًا وظلمًا، وعشت سنوات في ألم ومعاناة من التعدي عليّ وعلى بناتي من والدته. واجهت نفسًا ظالمة تجبرت على حياتي، وأنا أكتم المعاناة وأستمر، لا أقف ولا أستسلم، لأن لي ربًا لا يعجزه شيء.</p><p>في بيت الأهل أيضًا أذى شديد، أسأل الله أن يهديهم ويصلح قلوبهم وينير بصيرتهم بالتقوى، لكنني أشعر بأن الزمن يعيد نفسه. اختنقت وضاق ذرعي، وقلبي لا يميل بسهولة، والحياة من حولي لا تشعرني بالميل إليها وفي مخيلة قلبي أستشعر العوض برجل صادق رحيم كريم، يطيب بمجالسته مرّ عيشي كله، آنس به ويلتئم الفؤاد برفقته، ويستند إليه قلبي ويستقيم به حالي. فالزواج مشوار العمر كله، وأريد أن يستقر القلب، ولكنني كلما توسدت وسادتي ونمت، شعرت أنني في فناء بلا سقف، ولا دفء، شعور يشبه الشتات. كيف أتصبر وألتزم؟ كيف أواصل حربي مع نفسي؟ </p><p> أمر بمرحلتين مختلفتين؛ أحيانًا أشعر بالصبر والثقة بالعوض وعدم الجزع من الماضي القاسي، وأمتلئ بالسعادة كأنني فراشة ملونة تحلق عاليًا، وأحيانًا أشعر بانتكاسة، وأتذكر كيف قاموا بإلحاق الضرر بحياتي وتحويل أتعابي إلى أخطاء بالفتنة والكذب لتدميري، فأحزن وأقول في نفسي: ما الذي يستفيده الإنسان من إيذاء الآخرين؟ وأشعر بحرقة في قلبي.</p>
أختي
الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
قرأت
رسالتك أكثر من مرة ووصلتني مشاعرك المتألمة بوضوح، وأنا أرى من خلال كلماتك أنك ما
زلت عالقة في الماضي رغم أنك تقولين إنه صفحة وطويت وسلّمت أمرها لله رب العالمين.
وقد يكون الأمر كذلك فعلاً على المستوى العقلي، أما على المستوى النفسي والشعور
فأنت ما زلت عالقة هناك تسألين لماذا حدث ما حدث؟ لماذا أوذيت؟ لماذا تم التجبر
عليّ؟ لماذا حرمت من حياتي الطبيعية؟
سؤال
العدالة الغائبة
أنت
تبحثين عن العدالة المفقودة في الماضي وللأسف ما زلت تتألمين.. في بعض الأحيان ومع
وجود طاقة إيمانية عالية جدًّا تهدأ نفسك وتسكن تساؤلاتك الحائرة، وفي أحيان أخرى
لا تستطيعين الحفاظ على حالة السكينة هذه.
أنت
في رسالتك لم تتحدثي عن طليقك ولم تذكري شيئًا عنه.. أنت لست في حالة حزن حقيقي
عليه أو على ذكرياتكما معًا، بل يبدو لي أنك تجاوزته كشخص أو هو في وعيك مجرد شخص
مغلوب على أمره كان مجرد أداة في يد عائلته ووالدته تحديدًا.. إنما أنت حزينة بعمق
على تجربة ظالمة خضتها متألمة لأنك أوذيت رغم أن يدك كانت ممتدة بالخير، هذه
النقطة أنت لم تستطيعي تجاوزها.
حزن
غير معالج
أختي
الكريمة، أنت تحدثت طويلاً في رسالتك عن الصبر وعن العوض الذي تنتظرينه من الله عز
وجل وهذا أمر طيب {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ
حِسَابٍ}، ولكن الصبر لا يتعارض مع الحزن.. حتى الأنبياء يحزنون؛ فنبي الله يعقوب
يقول: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ونبينا محمد ﷺ عبر عن حزنه على
فراق ابنه إبراهيم بالدموع وبالكلام (إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما
يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
يبدو
لي أنك لم تظهري حزنك بالدرجة الكافية على تجربتك السابقة.. لم تعيشي مشاعر الحداد
على هذه العلاقة أو بمعنى آخر على أحلامك وأمنياتك فيها.. عن نسخة الحياة التي
بذلت جهدًا حتى تستطيعي عيشها.. لقد تدثرت سريعًا بلباس القوة والصبر والتحمل حتى
تتجاوزي سريعًا، لكن النتيجة كانت عكسية حيث علقت هناك أكثر مما ينبغي.
يا
غاليتي، أول مراحل التعافي من نوبات الحزن العميقة المرتبطة بأسئلة العدالة
الغائبة أن تعترفي بحزنك على ما حدث.. اعترفي بحزنك على سنوات من عمرك ماضية وعن
أحلامك التي أجهضت وعن الظلم الذي تعرضت له هذا يخفف جدًّا من النوبات التي تشعرين
بها؛ لأن هناك رسالة تصل عقلك أن القلب قد أفرغ مشاعره المؤلمة، وهذا يجعل تساؤلات
العقل عن العدالة والتي تأتي بتحريض من المشاعر المتألمة يخفت وهجها.
الزواج
والعوض والتعافي
أختي
الغالية، عليك أن تتعافي وحدك من آثار الماضي.. أنت إنسانة قوية مؤمنة تمتلكين
كثيرًا من أدوات القوة النفسية عليك أن تستخدميها كلها لبناء حياتك بعد تفريغ
مشاعر الحزن المخزنة داخلك ووقتها تكونين مؤهلة للزواج.. بمعنى أن على الزواج أن
يمثل إضافة نوعية جيدة لحياتك التي هي مستقرة بالفعل.
إنما
النظر للزواج وللزوج المستقبلي كمنقذ لك ولما تعانين منه من أحزان غير معالجة فهو
تحميل لهذا الزوج بأعباء نفسية باهظة قد لا يستطيع تحملها، ومن ثم تشعرين أنت
بالخذلان للمرة الثانية؛ لأنك رفعت من سقف توقعاتك المرتبطة بالزواج وحملته
مسئوليات ليس مسئولاً عنها.
الزواج
الناجح -يا غاليتي- قائم على شخصين كل منهما مستقر نفسيًّا وعاطفيًّا.. يعطي ويأخذ
بصورة متقاربة {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}،
بالمعنى الواسع للآية الذي يشمل الاحتياجات النفسية والعاطفية.
أختي
الكريمة، أنت قادرة بمشيئة الرحمن على الوصول للحالة من الاستقرار النفسي تجعلك
مهيأة لزواج جديد سعيد فقط تذكري الآتي:
· فرغي مشاعر الحزن القديمة كلها.. ابكي..
اكتبي.. سجلي صوت.. اشكي لله عز وجل.. ابحثي عن صديقة داعمة لا تخجلي من التكشف
النفسي أمامها وأخرجي حزنك.
· توقفي عن محاكمة الماضي، وتوقفي عن
السؤال "لماذا" فهذه هي طبيعة الحياة الدنيا التي يجب أن نتقبلها.. هناك
ظلم وهناك أذى.. هناك حقد وهناك حسد.. هناك أشخاص تتجبر وهناك من يؤذي.. قد نرى
عقاب هؤلاء في هذه الحياة وقد يؤجل الله لهم العقوبة.. علينا أن نتقبل ذلك ثم
نلتفت لبناء حياتنا.
· أصلحي علاقتك بعائلتك فأنا شعرت أن
علاقتك بهم ليست جيدة بالدرجة الكافية.. ربما أنت كنت تنتظرين أن يكونوا أكثر دعمًا
واحتواء.. ابذلي جهدًا في الإصلاح وإياك والوقوع في فخ الضحية التي تشعر أن كل من
حولها يؤذيها.. ادعي الله كثيرًا حتى يعينك على إصلاح دوائر حياتك.
· استمتعي بدورك كأم وشاركي في الحياة
وأنشطتها بفاعلية حتى لا تشعري أنك تنامين في فناء بلا سقف.. اصنعي سقفك بنفسك
ودعي زوجك المستقبلي يزينه لك بألوان من البهجة.. أسعد الله قلبك ويسر أمورك وفرش
طريقك القادم بالورود، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.
روابط
ذات صلة:
الحرمان من العلاقة الخاصة بين الجريمة والعقاب