أقرضتُ صديقاً لي مبلغاً من المال، وقبل أن يرده لي قام بإهدائي 'ذبيحة' بمناسبة اجتماعية، فهل يجوز لي قبولها أم تُعد من باب الربا لأن دينه لم يسدد بعد؟ وهل كل دين جر نفعا فهو ربا؟
الحمد لله وحده والصلاة
والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فمرحبا بكم أخي العزيز، فإن عقود
القروض في الشريعة الإسلامية بُنيت في الأصل على باب المروءة، والإرفاق، والتعاون
بين المسلمين، لا على التكسب وطلب الأرباح؛ ولذلك وضعت الشريعة سياجاً حامياً لعقد
القرض يمنع خروجه عن الإحسان إلى الاستغلال، ومن هنا ندقق في كل ما يصل إلى
المقرِض من جهة المقترِض من منافع أو هدايا زائدة عن أصل القرض قبل تمام سداده،
خشية أن تكون هذه الزيادة مقابل الأجل أو استغلالاً لحاجة المستقرض.
اختصارا: يجوز لك قبول
هذه "الذبيحة" ولا تُعد من الربا، بشرطين أساسيين:
- أن تكون هناك
عادة جارية بينك وبين صديقك بتبادل الهدايا في مثل هذه المناسبات قبل القرض
- أن تكون الهدية
قد قُدمت بسبب المناسبة الاجتماعية فقط، ولم تقصد بها مكافأة القرض أو تأخيره.
أما
إذا لم تكن بينكما عادة بالتهادي، أو قُدمت الهدية خصيصاً لأجل القرض، فلا يجوز
قبولها إلا أن تحتسب قيمتها من أصل الدين، أو تكافئه عليها بهدية مماثلة، أو تؤخر
قبولها حتى يسدد الدين.
آراء
العلماء قديماً وحديثاً:
اختلف
الفقهاء في قبول هدية المقترض بناءً على وجود عادة سابقة أو قرينة تدل على سبب
الهدية، وينقسم تفصيل المذاهب كالتالي:
1. مذهب الجمهور، الحنفية، والشافعية، والحنابلة:
يرى
الجمهور منع قبول هدية المقترض للمقرض إلا إذا كانت هناك عادة سابقة بينهما، أو أن
يحتسب المقرض الهدية من الدين، أو ينوي مكافأته عليها.
جاء
في "كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي (3/ 314): "وإن أهدى
المقترض للمقرض هدية قبل وفاء القرض، أو أحدث له منفعة كركوب دابته، وإعارة بيته
(لم يجز) للمقرض قبول الهدية ولا المنفعة (إن لم يجرِ بينهما عادة بذلك قبل القرض)
(إلا أن يحسبها) أي الهدية أو المنفعة (من دينه) فيجوز".
وجاء
في "حاشية ابن عابدين" (5/ 166): "الْمُسْتَقْرِضُ إذَا أَهْدَى
إلَى الْمُقْرِضِ، إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لِأَجْلِ الْقَرْضِ لَمْ يَجُزْ،
وَإِنْ كَانَتْ لِسَبَبٍ آخَرَ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ
الْقَرْضِ فَلَا بَأْسَ بِهِ".
وجاء
في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" لابن حجر الهيتمي (5/ 41):"يحرم كل
قرض جر منفعة، أي شرط فيه ذلك... أما غير المشروط فيجوز... لكن يكره للمقرض قبول
هدية المقترض إلا إن جرت عادته بمهاداته قبل القرض".
مذهب
المالكية:
المالكية
فصلوا في المسألة تفصيلاً دقيقاً يطابق سؤالك تماماً، حيث أجازوا الهدية إذا ظهر
لها سبب واضح ومناسبة مشهورة غير القرض مثل الختان، أو النكاح، أو القدوم من السفر.
جاء
في "حاشية الدسوقي" (3/ 227): "وجاز لهدية المقترِض بكسر الراء
لِمُقْرِضه إن علم أن الهدية لغير القرض، كأن جرت عادة بينهما بها قبله، أو أهدى
لِناسٍ هو فيهم، أو لِمناسبةٍ كختانٍ ونكاحٍ وقدومٍ من سفرٍ".
آراء
الفتاوى المعاصرة:
اتفقت
دور الإفتاء (مثل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ودار الإفتاء المصرية)
على ما وافق مذهب المالكية والجمهور:
إذا
كان الحامل على إهداء "الذبيحة" هو المناسبة الاجتماعية المشهورة، بحيث
إن هذا الصديق يُهدي لغيرك من أصدقائه في مثل هذه المناسبات أيضاً، أو كان يهديك
قبل القرض، فالقبول جائز شرعاً ولا دخل له بالربا.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
استند
الفقهاء في تقرير الأحكام السابقة إلى عدة قواعد فقهية كبرى، منها:
قاعدة:
"كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا":
وهي
القاعدة الأساسية في الباب (وأصلها أثر مشهور عن الصحابة كابن مسعود وابن عمر).
وتطبق هنا لمنع الهدية إذا تمخضت عن القرض وحده، حيث تصبح المنفعة زيادة غير
مستحقة للمقرض مقابل الأجل.
قاعدة:
"الْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا":
وتطبق
في حال وجود "العادة الجارية" بينكما؛ فالعادة السابقة بتبادل الهدايا
تنفي شبهة أن تكون الهدية لأجل القرض، وتجعلها كالأمر المعتاد الذي لا يُقصد به
الربا.
قاعدة:
"العِبْرَةُ فِي العُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي
لَا لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي":
وبناءً
عليها، يُنظر إلى مقصد الصديق من "الذبيحة": فبما أن المقصد ظاهر وهو
"المناسبة الاجتماعية" كالتودد والقيام بواجب المناسبة، وانتفى مقصد
استمالة المقرض لأجل تأخير الدين أو دفع فائدة عليه، رُفع الحرج الشرعي وجاز
قبولها.
والله تعالى أعلى وأعلم