هل يُصلح حج الزوجين معًا ما فسد بينهما؟

<p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; color:#1F1F1F">نحن زوجان نمر بمرحلة صعبة جدًّا من الخلافات وصلت لحد الإشراف على الطلاق. قررنا الذهاب للحج كفرصة أخيرة لإصلاح ما بيننا. لكن المشاحنات تبدأ لأتفه الأسباب حتى ونحن نجهز حقائبنا للسفر للحج.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; color:#1F1F1F">فكيف نجعل الحج فرصة لإصلاح علاقتنا وتغيير نفوسنا كل منا تجاه الآخر؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;color:#1F1F1F;mso-ansi-language:EN-US; mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وهل يفسد الحج إذا وقعت خلاله مشادات بيننا؟</span>

مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يصلح ما بينك وبين زوجك، وأن يربط على قلبيكما بالسكينة والمودة، وأن يجعل من رحلتكما هذه ميلادًا جديدًا لبيتكما وحياتكما، وأن يتقبل منكما صالح الأعمال، وبعد...

الحج رحلة انخلاع عن «الأنا»

إن الحج يا أختي ليس مجرد سفر عادي، ولا نزهة، ولا حتى مجرد شعائر بدنية، بل هو رحلة «هجرة» من ضيق النفس وضغوط الدنيا إلى سعة طاعة الله ورحماته. عندما نرتدي ملابس الإحرام، فنحن نخلع معها من قلوبنا الدنيا ومتعلقاتها، ومن هذه المتعلقات التي يجب خلعها: الكبرياء، والإصرار على الخطأ، والانتصار للنفس.

إن اجتماعك وزوجك على نية الحج رغم الخلافات، هو بحد ذاته بذرة خير فيكما، تدل على أن في كلا القلبين بقية من ود ورغبة في الإصلاح، فاستثيرا هذا الخير الكامن في هذه الرحلة المباركة.

كيف نجعل الحج فرصة للإصلاح؟

إن الإصلاح - يا أختي- وخصوصًا إصلاح العلاقات الإنسانية، ومنها العلاقة الزوجية، ليس زرًّا نضغط عليه فيحدث؛ بل هو عمل قلبي وجهد بدني، له خطوات وأعمال تتراكم فوق بعضها وتتعاضد لنصل إلى المحصلة النهائية، وحتى بعد حدوث الإصلاح المرجو، يجب أن نتعهده بالرعاية، ونحصنه من الآفات أولًا بأول، ليستمر ويبقى.

وفي هذا الصدد أنصحك بالآتي:

1- تجديد النية وإخلاصها:

اجلسي مع زوجك جلسة هادئة قبل السفر، واتفقا على أن هذا الحج سيكون «هدنة» للإصلاح والتفاهم، مستحضرين قول الله تعالى: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. فالتوفيق من الله مرهون بصدق الإرادة في الإصلاح. فليكن شعاركما: «نحن هنا لنرضي الله، ومن إرضائه إصلاح بيتنا».

2- عبادة «التغافل»:

في الحج، تضيق المساحات، ويزداد الزحام، وتُرهق الأبدان، مما قد يثير الأعصاب. والحل هو «التغافل». فإذا بدر من طرف ما يزعج الآخر، فليتذكر قوله تعالى: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

مثلًا، إذا أخطأ زوجك في ترتيب الحقائب، أو تأخر عنك في أمر، أو رفع صوته، أو احتد بلفظ، فتذكَّري أنك «مُحرِمة»؛ والإحرام يفرض عليك سمتًا خاصًّا وآدابًا، لا يليق معها الرد بالمثل؛ بل التغافل مع الابتسام وتمرير الموقف. فإن فعلت هذا فسيكون له أثر عظيم لديه، يجعله يراجع نفسه، ويُصلِح.

3- الدعاء بظهر الغيب وفي مواطن الاستجابة:

من أعظم أسرار الإصلاح في الحج هو الدعاء بظهر الغيب، وتحري أماكن وأوقات الاستجابة. فعندما تطوفين بالبيت، أو تقفين في عرفات، أو المزدلفة، لا تدعي لنفسك فقط، بل ألحِّي على الله أن يلين قلب زوجك لك، وأن يريك محاسنه، وأن يهديك لأفضل سبل التعامل معه. تخيلي أثر ذلك عندما يشعر الزوج بروحانية زوجته وصفائها، سيعود ذلك عليه حتمًا بالسكينة.

4- التعاون في أداء المناسك والخدمة:

كان النبي ﷺ خير الناس لأهله، حتى في السفر. فحاولي أن تكوني عونًا له في نسكه، وهو كذلك. فإذا رأيته متعبًا فبادري بكلمة طيبة أو مساعدة يسيرة. هذه المواقف الصغيرة في الزحام والشدة تُبنى عليها جسور الثقة من جديد.

تذكَّرا قصة النبي ﷺ مع أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الحج، وكيف كان يراعي مشاعرها ويطيب خاطرها حين حزنت بسبب فوات العمرة مع الحج، فأمر أخاها أن يأخذها لتهل من التنعيم تطييبًا لقلبها.

هل يَفسد الحج إذا وقعت خلاله مشادات؟

هذا سؤال فيه تفصيل، فالمشادات والكلام الغاضب والجدال لا يُبطل الحج بمعنى أنه يفسده ويوجب إعادته، كالجماع مثلًا (الذي هو مفسد للحج). ولكن الجدال يُنقص من أجر الحج ويخدش كماله. قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].

كما أن الهدف الأسمى لكل حاج هو أن يكون حجه مبرورًا، فالنبي ﷺ يقول: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» [متفق عليه]. والحج المبرور هو الذي لا تخالطه معصية، والجدال والمشاحنات التي تؤدي إلى القطيعة والتباغض هي نوع من المعصية التي تذهب برونق الحج وبركته.

متى تناقشان مشكلاتكما إذن؟

قد يخطر ببالك أختي الفاضلة الآن تساؤل: «إذا تجنبنا الجدال والنقاش طوال فترة الحج، فكيف سنصلح ما بيننا؟ ومتى سنناقش مشكلاتنا ونتفق على منهج للعيش سويًّا بعد العودة؟!».

والجواب هو أن تجنب الجدال المذموم لا يعني الصمت المطبق أو تجاهل الأزمة، بل يعني اختيار الوقت المناسب، والنبرة الطيبة. فرحلة الحج، رغم مشقتها البدنية، تتخللها أوقات راحة وصفاء نفسي عجيب، خصوصًا بعد الفراغ من المناسك الكبرى، أو في ليالي مشعر منى (أيام التشريق).

هذه الأوقات الروحية هي الفرصة الذهبية لتجاذب أطراف الحديث بهدوء؛ حيث تكون القلوب رقيقة، والنفوس قريبة من الله ومتأثرة بنفحات الطاعة. استثمري مع زوجك هذه اللحظات ليتحدث كل منكما بصدق عما يضايقه من الآخر، وما يرجوه منه في المستقبل، ولكن بأسلوب المحب المشفق الذي يريد بناء البيت، لا الخصم الذي يريد الانتصار لنفسه.

اجعلا من هذه الجلسات الهادئة فرصة لصياغة ميثاق زوجي جديد، لتعودا إلى بيتكما بنفس صافية، ونية صادقة للإصلاح، ومنهج عملي واضح لإدارة حياتكما الزوجية مستقبلًا تحت سقف المودة والرحمة.

وختامًا يا أختي، إن الحج فرصة لرجوع المرء «كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [متفق عليه]. فكيف يولد المرء من جديد وهو يحمل في قلبه غلًّا أو على لسانه كلمة لاذعة لشريك حياته؟ الجدال يفسد حال القلب مع الله، ويصرف الإنسان عن الذكر والتدبر إلى القيل والقال.

اجعلي من هذه الرحلة رحلة إنقاذ لحياتكما وبيتكما، وتذكري أن الشيطان يحرص على إفساد الحج بقدر ما يحرص على إفساد الزواج، فلا تمكنيه منكما. إذا بدأت مشادة، فليذكِّر كلا منكما الآخر بهدفكما من هذه الرحلة، ثم انصرفا إلى العبادة وذكر الله.

أسأل الله أن يتقبل حجكما، ويشرح صدريكما، ويجعل مآل بيتكما إلى الاستقرار والمودة والرحمة، وأن تعودا من الرحاب الطاهرة وقد وُلدت بينكما محبة لا تنتهي. والله ولي التوفيق.