ما صحة قول: «الحزانى في كنف الله، والله يحب الحزين»؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">ينتشر بين الناس قول: "الحزانى في كنف الله، الحزانى معرضون للرحمة، والله يحب كل قلب حزين"، كما يُقال إن الحزن يكشف معدن الإنسان ويقربه من ربه، فهل هذا الكلام صحيح شرعًا؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">وما توجيه الإسلام للحزن والابتلاء؟</span>

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وينير قلبك، ويجعلنا سببًا في توضيح الحق وإرساء الطمأنينة في نفسك ونفوس السائلين، وبعد...

 

فإن الإنسان يمر في هذه الحياة الدنيا بتقلبات شتى، ما بين راحة وتعب، وضحك وبكاء، وسعادة وحزن، فهي جبلت على الكدر كما قيل، ومن طبيعتها الابتلاء. والحزن هو ذلك الضيف الثقيل الذي يزور القلوب من حين لآخر، بأسباب متعددة، دنيوية وأخروية.

 

وقد انتشرت بين الناس عبارات عاطفية تصف حال المحزونين وقربهم من الخالق –مثل ما ذكرت في سؤالك- ما يستوجب منا وقفة لبيان وجه الحق فيها، ونعرف كيف نتعامل مع الأحزان والابتلاءات.

 

هل الحزانى في كنف الله؟

 

عند النظر في هذه المقولات المنتشرة مثل: «الحزانى في كنف الله» أو «إن الله يحب كل قلب حزين»، نجد أنها من حيث المعنى تحمل وجهًا صحيحًا يتسق مع رحمة الله، لكن من حيث كونها أحاديث نبوية، فهي لا تثبت عن النبي ﷺ بهذه الألفاظ في أي من كتب السنة المعتمدة.

 

إن الله -عز وجل- لا يحب الحزن لذاته؛ لأن الحزن فيه ضعف وتعطيل للعمل، وكذلك كان النبي ﷺ يستعيذ من الهم والحزن دائمًا، بقوله: «اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الهَمِّ والْحَزَن» [رواه البخاري].

 

ولكن الله يحب انكسار القلب بين يديه في حال الحزن، ويحب الصبر على هذا الحزن. فالقرب الإلهي من المحزونين ليس لمجرد أنهم يحزنون؛ بل لأن الحزن غالبًا ما يكسر كبرياء النفس ويجعل العبد يهرع إلى بابه سبحانه.

 

فالله سبحانه قريب من الضعفاء والمبتلين الذين لم يجدوا ملجأ إلا إليه، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

 

هل الحزن يكشف معدن الإنسان؟

 

نعم، هذه حقيقة واقعية يؤيدها الشرع؛ فالابتلاء بصنوف الهم والحزن وأسبابها هو تمحيص يميز الصادق من الكاذب، قال تعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155- 157]. فكما يُصهر الذهب بالنار ليخرج نقيًّا، تُصهر أرواح المؤمنين بالأحزان لتتخلص من شوائب التعلق بغير الله.

 

توجيه الإسلام للحزن والابتلاء

 

الإسلام دين واقعي، لا ينكر على الإنسان مشاعره؛ بل يهذبها ويوجهها. ويمكن تلخيص رؤية الإسلام للحزن في النقاط التالية:

 

- الحزن طبيعة بشرية لا تقدح في الإيمان

 

لقد حزن الأنبياء وهم أكمل الخلق إيمانًا؛ فهذا يعقوب -عليه السلام- يقول: ﴿يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. وهذا نبينا محمد ﷺ يحزن لموت ولده إبراهيم، ويقول بكلمات تفيض إنسانية: «إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ» [متفق عليه].

 

فالحزن المسموح هو الذي لا يصحبه سخط على القدر، ولا اعتراض باللسان، ولا فعل ما يغضب الله.

 

- الحزن كفارة للذنوب ورفع للدرجات

 

إن كل لحظة حزن يمر بها المسلم هي في ميزان حسناته إذا احتسبها عند الله جل وعلا، لقوله ﷺ: «مَا يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه» [متفق عليه]. فالحزن هنا تطهير للنفس، وليس عقوبة بالضرورة.

 

- عدم الاستسلام للحزن

 

الإسلام لا يريد للمسلم أن يستسلم للحزن، بل يوجهه عند الإصابة به إلى ما يلي:

 

- الاستعانة بالصبر والصلاة: يقول تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]. وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى. [رواه أبو داود].

 

- الذِّكر والدعاء: فقد كان النبي ﷺ يدعو الله ويذكره بهذا الذكر عند الكرب: «لا إلَهَ إلَّا اللهُ العَظيمُ الحَليمُ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ، لا إلَهَ إلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ ورَبُّ العَرشِ الكَريمِ» [رواه البخاري].

 

- حُسن الظن بالله: إدراك أن وراء كل حزن حكمة وخيرًا خفيًّا، يقول سبحانه: ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

 

وختامًا أخي الكريم، إن قول الناس إن الله يحب القلوب الحزينة... إلخ، هو تعبير عاطفي عن قرب الله من المنكسرين والمبتلين، وهو صحيح المعنى إذا قُصد به أن الله يلطف بهم ويرحمهم ويؤجرهم على صبرهم. فالزم عتبة العبودية، واعلم أن الضيق يعقبه الفرج، وأن الدمعة التي تسقط في الخفاء يراها الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

 

فاللهم يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، فرِّج هم السائل ويسِّر أمره، وارحم ضعفه وقلة حيلته. اللهم ابدل حزنه فرحًا، وضيق صدره انشراحًا، واجعل ما يمر به رفعة في درجاته وتكفيرًا لسيئاته. اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتًلي صبر، وإذا أذنب استغفر. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

دواء القلوب.. كيف يعالج القرآن القلق والحزن؟

4 أحوال للنبي ﷺ إذا أهمه أمر