كيف يقود العقل الجماعي الجماهير؟

لماذا تتأثر عقولنا وآراؤنا بالآخرين؟ ولماذا يخضع بعض الناس لما يسمى العقل الجماعي؟

أخي الكريم، حقًّا هناك مشكلة كبيرة في العقل الجماعي، فهو قادر على التأثير في أعداد كبيرة من الجماهير ودفعهم إلى سلوك معين أو تبني أفكار معينة في لحظة تاريخية تحت تأثير الإقناع الناتج عن العاطفة والحماسة وضغط الكثرة، أكثر من كونه ناتجًا عن الاقتناع العقلي.

 

وهذا العقل –لا شك- أنه يمثل أزمة حقيقة لأصحاب الآراء التجديدية والأفكار الجيدة؛ لأن هؤلاء غير قادرين على الوصول إلى الجماهير وتوجيههم، فهذا العقل يسيطر عليه الأشخاص ذوو الخطب الحماسية والآراء العاطفية والنعرات الطائفية والمذهبية والحزبية، ويظهر هذا العقل في المظاهرات والشراء وفي التشجيع في الرياضة، وفي البورصة وسوق الأوراق المالية، وغيرها من الأماكن التي تجتمع فيها أعداد من البشر.

 

ما هو العقل الجماعي؟

 

العقل الجماعي ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية، ولكن بنسب متفاوتة، كما أنها ظاهرة حاضرة في غالبية الفترات التاريخية، ومن ثم فنحن أمام حضور دائم في المجتمعات وفي مسارها التاريخي التطوري، ولذا فإنه ظاهرة تستوجب فهمها وكيفية التعامل معها لتوجيهها في المسار الأفضل، وتخفيف ضغطها الذي يكاد يسحق الآراء العقلية والصحيحة في لحظة حماسة طاغية.

 

يُعرف العقل الجماعي بأنه ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة هي المعيار للسلوك الصحيح، وغالبًا ما ينشط هذا النوع من التفكير أو تلك الحالة، في الأوقات التي يسود فيها الغموض، ويفتقد فيها الفرد القدرة على التفكير باستقلالية، لذا يجد في رأي الجماعة ملاذًا للخروج من حالة اللايقين والقلق، كما أن الكثرة الكاثرة من الجماهير تفرض منطقها على الآخرين، فلا يميل الشخص إلى مخالفتهم خوفًا من النقد أو النبذ، ويجد أن الأفضل السير مع التيار لا أن يستقل برأيه، ومن هنا تتقارب الذات مع الآخرين في الإدراك والسلوك.

 

يوصف العقل الجماعي بأنه "عقلية القطيع" أو "سلوك القطيع"؛ لأن الفرد ينساق فيه خلف الكثرة والأغلبية على اعتبار أنها قادرة على تحقيق الصواب والنافع دون إدراك لحقيقة الصواب والنفع والمصلحة والضرر بشكل واضح، والطريف أن عالم الأحياء البريطاني "دبليو دي هاميلتون" المتوفى عام (2000م) برر هذا السلوك في عالم الحيوان بدافع أناني؛ لأن الحيوان يحتمي من الخطر والافتراس من خلال الاختباء في الجماعة.

 

ويلاحظ أن المعلومات والمواقف المتكونة من خلال العقل الجماعي يتم تضخيمها نفسيًّا وإعطاؤها الأولوية على حساب الآراء الذاتية، مما يوجد حالة ذهنية واحدة في الجماعة أو الجمهور؛ فالعقل الجمعي له تأثير على الأفراد في المواقف والسلوك واتخاذ القرارات، حتى لتبدو الجماعة -تحت تأثير هذا العقل- وكأنها كيان نفسي واحد.

 

لماذا ينشط العقل الجماعي؟

 

تشير الدراسات النفسية إلى أنه في الجماعة الواحدة، يميل الأشخاص الأقل مركزًا أو الأقل تأثيرًا في الجماعة إلى التصرف وفق سلوك من هم أعلى مركزًا أو أحسن حالة وظيفية أو اجتماعية.

 

وتشير دراسات -أخرى- إلى أن التماسك الاجتماعي في بعض الأحيان يلعب دورًا في بروز العقل الجماعي؛ فـ"المجموعة المتماسكة التي يشعر أعضاؤها بانتماء قوي واحترام متبادل والتزام بأهداف المجموعة، فإن ذلك يؤثر في تشكيل عقلية المجموع، وقد يكون بطرق ضارة"؛ فالجماعة المتماسكة يقل فيها شكوك الأفراد في قراراتها وتقل فيها روح المعارضة ضد مواقفها وتقل كذلك رغبات التحدي للمعايير التي تضعها الجماعة، ويتوارى فيها التفكير النقدي والإبداعي الناجم عن الاختلاف والتنوع والنقاش الحر، لتسود الرغبة في الانسجام والتوافق والاتفاق والسير في نفس المسار.

 

معايير الجماعة: تلعب المعايير، وبخاصة، غير المكتوبة للجماعة دورها في الخضوع للعقل الجمعي، وقد تحكم سلوك الأفراد، وكيفية تصرف الأعضاء، وما يُعتبر مقبولًا، وكيفية اتخاذ القرارات، وقد تطغى على التفضيلات الفردية، بل قد تطغى على قيم أخلاقية ودينية كبرى، ولعل المثال المتبادر إلى الذهن هنا هو ما قصّه القرآن الكريم علينا في قصة "قوم لوط"، إذ أصبح العقل الجمعي يحركهم نحو الشذوذ، حتى إنهم أصبحوا يرون الفضيلة والعفاف كجريمة تفرض إخراج الأطهار من مجتمعهم، يقول تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (سورة النمل: الآية 56).

 

وقد يكون من المفيد التذكير بتحذير القرآن الكريم من العقل الجمعي؛ لأنه في كثير من الأحيان يوجه السلوك والأخلاق والأفكار في المسار الخاطئ، يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ (سورة سبأ الآية: 45)، يقول العلامة الزيتوني الطاهر بن عاشور في تفسير "التحرير والتنوير" عن تلك الآية: "المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يُغالِط فيه صاحبُ هوىً ولا شبهةٍ ولا يخشى فيه الناظر تشنيعًا ولا سمعة، فإن الجماهير إذا اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع، وهؤلاء -بما يلازم نواياهم من الخبث- تصحبهم جُرأة لا تترك فيهم وازعًا عن الباطل ولا صدًّا عن الاختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأٍ، ولا حياء يهذبُ من حِدّتهم في الخصام والأذى، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة. للسلامة من هذه العوائق والتخلص من تلك البوائق الصادة عن طريق الحق قيل هنا {مثنى وفرادى} فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرْضَ لها بغير النصح، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رَأيًّا فسلم كلاهما من غش صاحبه".

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تؤثر العدوى في انتشار الأخلاق؟

كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟

كيف ناقش التراث الإسلامي الشك؟