التنكيس.. معناه وحكمه وأثره على صحة الصلاة

ما المقصود بالتنكيس في الصلاة ؟ وهل هذا التنكيس يبطل الصلاة؟

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالمراد بالتنكيس في قراءة القرآن: قراءة المتأخر قبل المتقدم، وهو على أربعة أنحاء؛ تنكيس الحروف، وتنكيس الكلمات، وتنكيس الآيات، وتنكيس السور، ولا يتصور من مسلم عاقل أن ينكس الحروف أو الكلمات أو الآيات في ركعة واحدة، حيث إنه يغير المعنى خاصة الحروف والكلمات، وبالتالي فهو حرام ويبطل الصلاة، أما تنكيس السور وإن كان خلافًا للأولى لكنه ليس حرامًا، ولا يبطل الصلاة.

 

التنكيس في الموسوعة الفقهية الكويتية

 

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: نص الحنفية على أن المصلي لو ترك ترتيب السور لا يلزمه شيء مع كونه واجبًا؛ لأنه ليس واجبًا أصليًّا من واجبات الصلاة.

 

وصرّح المالكية بحرمة تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة، وأنه يبطل الصلاة؛ لأنه ككلام أجنبي.

 

ونص الشافعية على أنه يجب أن يأتي بالفاتحة مرتبة فإذا بدأ بنصفها الثاني لم يعتد به مطلقا، سواء بدأ به عامدًا أم ساهيًا ويستأنف القراءة. هذا ما لم يُغير المعنى. فإن غيّر المعنى بطلت صلاته.

 

كما صرح الحنابلة بحرمة تنكيس كلمات القرآن وتبطل الصلاة به، قالوا: لأنه يصير بإخلال نظمه كلامًا أجنبيًّا يبطل الصلاة عمده وسهوه، كما صرحوا بحرمة القراءة عما يخرج عن مصحف عثمان لعدم تواتره ولا تصح صلاته.

 

قال البهوتي في شرح الفروع: "وظاهره ولو وافق قراءة أحد من العشرة في أصح الروايتين" أ.هـ.

 

أنواع التنكيس وأحكامه

 

والتنكيس يمكن أن يحدث على مستوى السور، أو الآيات، أو الكلمات.

 

أولا: تنكيس السور: أن يقرأ المصلي في الركعة الثانية سورة تسبق في ترتيب المصحف السورة التي قرأها في الركعة الأولى.

 

مثال: أن يقرأ في الركعة الأولى سورة "الناس"، ثم يقرأ في الركعة الثانية سورة "الإخلاص"؛ وحكم هذا النوع من التنكيس مكروه عند جمهور العلماء، ولكنه لا يبطل الصلاة.

 

واستدل العلماء بأن ترتيب السور في المصحف هو ترتيب توقيفي بأمر من الله ورسوله ﷺ فيجب احترامه. والكراهة هنا لأنه خلاف الأولى والأفضل، وهو مخالفة لترتيب المصحف الذي استقر عليه عمل الصحابة. لكن الصلاة لا تبطل لأن القرآن كله كلام الله، وتقديم سورة على أخرى لا يخل بركن القراءة. وقد ورد عن النبي ﷺ في بعض الأحيان أنه قرأ على غير ترتيب السور المعروف، كما في صلاة الليل.

 

ثانيًا:  تنكيس الآيات: أن يقرأ المصلي الآيات في السورة الواحدة بترتيب عكسي، فيقرأ الآية المتأخرة قبل المتقدمة، مثل أن يقرأ من سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ...} [البقرة: 285] ثم يقرأ قبلها: {لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ...} [البقرة: 284].

 

حكمه: هذا النوع من التنكيس أشد كراهة من تنكيس السور، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حرام ويبطل الصلاة إذا كان عمدًا، لأنه يغير معنى القرآن الكريم ويخل بنظمه المعجز الذي أنزله الله به.

 

وترتيب الآيات في كل سورة هو أمر توقيفي بالإجماع، أي أنه من الله تعالى بواسطة جبريل عليه السلام إلى النبي محمد ﷺ. فمخالفته المتعمدة هي تغيير لكلام الله عن موضعه، وهذا أمر خطير. فإن وقع سهوًا، فالأولى أن يعود المصلي ليصحح قراءته، فإن لم يفعل صحت صلاته عند بعض العلماء مع الكراهة الشديدة، لكن الأحوط إعادتها خروجًا من الخلاف.

 

ثالثًا:  تنكيس الكلمات: أن يقرأ كلمات الآية الواحدة بترتيب معكوس، مثال: أن يقرأ بدلًا من {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، "أحد الله هو قل"، وحكم هذا النوع حرام بالإجماع ويبطل الصلاة بلا شك، سواء كان عمدًا أو سهوًا؛ لأنه يُخرج القرآن عن كونه كلامًا عربيًّا مفهومًا، ويُحيله إلى كلام لا معنى له، بل قد يؤدي إلى معنى فاسد أو كفري. وهذا تغيير وتحريف لكلام الله، فلا تصح الصلاة به قطعًا.

 

رابعًا: تنكيس الحروف، وهو أشد حرمة من تنكيس الكلمات؛ لأنه يغير المعنى على الإطلاق ولا يتصور من عاقل؛ لأن هذا استهزاء بكلمات الله واتخاذ كتاب الله هزوا، وهو يبطل الصلاة بإجماع الفقهاء.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

ترتيب السور في المصحف بين التوقيف والتوفيق

حكم التزام ترتيب المصحف في الصلاة