<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومُشرف تربوي في مؤسسة دعوية لها حضور إعلامي جيد. أرى أن النقد الذاتي وتصحيح الأخطاء أمر ضروري لنجاح العمل الدعوي، خاصة وأننا في المهجر.</p> <p>لكن السؤال: <strong>كيف نوازن بين النقد الذاتي البناء لغرض الإصلاح والتطوير الداخلي، وبين خطر نشره علانية على سمعة الدعوة والدعاة، أو استغلاله من قبل المتربصين للتشهير وتشويه الصورة؟</strong> وهل يجب علينا إظهار النقد والاعتراف بالخطأ أمام الجمهور كلما حدث، أم نكتفي بالتصحيح الداخلي مع إصلاح الأثر الخارجي؟</p> <p>أخشى أن الصمت على الخطأ يفقِدنا المصداقية، وأخشى أن إظهاره يزيد الطين بلة. أرجو تحديد ضوابط شرعية ومنهجية للنقد الذاتي في العمل الدعوي المؤسسي الذي يراقبه الجميع. جزاكم الله خيرًا<span dir="LTR">.</span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً بك أيها الداعية والمشرف الفاضل، وشكر الله لكم حرصكم على جودة العمل الدعوي وسلامة منهجكم. إن النقد الذاتي علامة صحة وحيوية للمؤسسة، والموازنة بين الإفصاح والإخفاء في هذا العصر هي مفتاح الحكمة الإدارية والدعوية.
إن استشارتكم تدور حول "فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد" في باب النقد والتصحيح، وهو ما يطلق عليه اليوم (إدارة السمعة والمصداقية)..
ضوابط فقه النقد الذاتي الدعوي في المهجر
المنهجية الصحيحة في النقد الذاتي تقوم على التفريق بين الخطأ الذي يؤثر على حقوق الآخرين أو على الأصول الشرعية، والخطأ الذي هو مجرد قصور في الأداء أو خلاف في وجهات النظر.
الضوابط الشرعية للنقد الذاتي والإصلاح
الأصل في الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، لكن مع مراعاة المصلحة والضرر.
1) قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح): الأصل الشرعي هو الإصلاح والتوبة، وستر المسلم. فإذا كان إظهار النقد أو الخطأ علانية يؤدي إلى مفسدة أعظم (كالفتنة في الدين، أو تنفير الناس من الدعوة، أو تشويه صورة الإسلام)، فالستر والإصلاح السري هو المقدم. قال رسول الله ﷺ: "وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (رواه مسلم). وهذا الستر يشمل خطأ الداعية إذا لم يكن متعلقًا بحقوق العباد أو أصل الدين.
2) التفرقة بين الخطأ والذنب:
* الخطأ الإداري أو الأداء غير المتقن: هذا يُعالج داخليًّا بالتوجيه والتدريب، ويُصحح الأثر الخارجي بهدوء (مثلاً: نشر المعلومة الصحيحة بدلاً من الخاطئة دون تضخيم).
* الذنب أو التعدي على حقوق (مال، عرض، دم): هذا يتطلب التوبة والإصلاح وإعادة الحقوق، وقد يتطلب الإعلان إذا كان قد وقع علانية وتضرر به عموم الناس (ليعلموا التراجع عن الخطأ والحق). فالتبيان مطلوب حيث كان الخطأ علنيًّا أو مؤثرًا على الأصول.
3) النقد بين الجماعة والجمهور: النقد الذاتي المؤسسي يجب أن يتم أولاً داخل الأجهزة الرقابية والقياديَّة للمؤسسة بسرية تامة (الاجتماعات الداخلية والمحاسبة الفردية). وإظهار النقد للجمهور يجب أن يقتصر على الاعتراف بالتقصير العام دون التشهير بأشخاص، والتركيز على خطوات الإصلاح المستقبلية.
المنهجية الإدارية للنقد في العمل المؤسسي
للتعامل بذكاء مع وضع كون المؤسسة في المهجر، اتبعوا الخطوات الآتية:
1) تأسيس قناة داخلية للنقد (صندوق الشفافية): إنشاء آلية رسمية وسرية لاستقبال النقد والملاحظات من العاملين والمتعاونين (سواء كان نقدًا إداريًّا أو شرعيًّا). هذا يضمن حصر النقد داخل المؤسسة قبل أن يتسرب للخارج.
2) فريق إدارة الأزمات والردود: تشكيل فريق متخصص يضم (داعية، إداريًّا، خبيرًا إعلاميًّا) لمراجعة الأخطاء المكتشفة وتحديد كيفية التعامل معها: الإخفاء والإصلاح: إذا كان الخطأ بسيطًا وغير مؤثر، التوضيح والاعتذار: إذا كان الخطأ مؤثرًا أو قد أسيء فهمه. وفي هذه الحالة، يجب أن يكون الاعتذار موجزًا، مهذبًا، ويركز على الالتزام بالتصحيح وعدم تكرار الخطأ.
3) تحويل النقد إلى فرص للتطوير (الاستفادة من المهجر): استغلوا وجودكم في المهجر لتعزيز صورتكم كمؤسسة احترافية تتعلم من أخطائها. حين يتم تصحيح الخطأ الداخلي بشكل سريع وفعال، فإن هذا يرفع من ثقة الجمهور في المركز.
4) تجنب الدفاع الأعمى: لا تقعوا في فخ الدفاع المطلق عن كل خطأ. الاعتراف بالخطأ البشري في الإجراءات هو دليل قوة وصدق ومصداقية، وليس دليلاً على الضعف.
أيها الداعية الحكيم، اجعلوا النقد الذاتي فعلًا داخليًّا مستمرًّا وليس مجرد رد فعل على أزمة. إذا كانت الرقابة الداخلية للمؤسسة قوية ومستمرة، فإن فرص وقوع الأخطاء التي تحتاج إلى إعلان خارجي ستقلّ كثيرًا.
عاملوا النقد البناء (سواء كان من الداخل أو الخارج) كهدية تساعدكم على الإتقان والإحسان. تذكر أن "الأخطاء السبعة التي تدمر المؤسسة هي: الشعور بالكمال، الخوف من التغيير، تجاهل آراء العاملين، التفكير قصير المدى، عدم وضوح الرؤية، والجمود في التقييم".
وأسأل الله أن يلهمكم رشدكم، وأن يوفقكم للإصلاح في القول والعمل، وأن يرزقكم سداد الرأي وبعد النظر في إدارة الأزمات، وأن يحفظ مؤسستكم من كيد الكائدين وعبث العابثين، وأن يجعلكم منارات للهدى.
روابط ذات صلة:
لماذا يتم تشويه الرموز الإسلامية؟