<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب جامعي متخصص في التسويق الرقمي، وأقوم بتشغيل قناة دعوية على منصة "تيك توك" ومنصات الفيديو القصير الأخرى. أرى أن المحتوى الديني التقليدي غالباً ما يُهمل من قبل الشباب بسبب طوله أو نمطه الجاد.</p> <p>سؤالي هو: كيف يمكنني أن أصنع محتوى دعوياً إلكترونياً يكون جذاباً وسريع الانتشار، مستخدماً أحدث أساليب السرد والإنتاج والإخراج التي تعجب الشباب، وفي نفس الوقت أحافظ على أصالة المضمون الشرعي، وأتجنب الوقوع في فخ التسطيح أو التكلف أو المبالغة التي قد تؤدي إلى إفساد الصورة الدعوية أو إيصال المعلومة ناقصة أو مشوهة؟</p> <p>أشعر بضغط كبير للموازنة بين رغبة المنصات في الإبهار ورغبة الشريعة في الإتقان والجدية. أرجو الإفادة. جزاكم الله خيراً<span dir="LTR">.</span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك أيها الشاب المبارك، ونعم الأجر ما تقوم به من تسخير علمك وخبرتك في التسويق لخدمة دين الله تعالى ونشر الهدى بين أقرانك. أسأل الله أن يجعلك من الهداة المهديين.
أيها السائل الكريم:
إن استشارتكم تضع اليد على مفصل بالغ الأهمية في مجال "الدعوة الإلكترونية" المعاصرة، وهو تحدي المزج بين الحداثة في الشكل والرسوخ في المضمون.
ثم إن الدعوة اليوم تحتاج إلى دعاة يملكون لغة العصر وأدواته، وأنتم -ما شاء الله- من هذا النوع.
فالمعادلة التي تسعون إليها ليست مستحيلة، بل هي ضرورة دعوية. فالدعوة إلى الله مأمورون فيها بالحكمة والموعظة الحسنة، والحكمة تقتضي مخاطبة الناس بما يفهمون وبما يلائم طبائعهم وأذواقهم. قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ). وإليك التفاصيل في النقاط التالية:
الركائز الشرعية للمحتوى الرقمي
لضمان سلامة المحتوى من التسطيح أو التشويه، يجب الالتزام بالآتي:
1) العلم أولاً وآخرًا: لا يجوز الخوض في مسألة شرعية، أو نقل حديث، أو تفسير آية، إلا بعد التثبت من صحة المصدر والعلم بفهم السلف له. فجاذبية الشكل لا تشفع لضعف المضمون أو خطئه. إن صناعة المحتوى القصير تتطلب الإيجاز، لكن الإيجاز لا يعني الإخلال، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، فالعلم مقدَّم على القول والعمل. وقد حذّر النبي المصطفى أشدّ التحذير من القول عليه بلا دليل، وهذا يوجب الحذر الشديد في نقل الأحاديث والأحكام الشرعية.
2. التركيز على الجوامع والقيم: في المحتوى القصير، ركّز على القواعد الكلية، وقيم الأخلاق الفاضلة، والمفاهيم العميقة التي تصلح لجميع الأزمنة (كالإحسان، الإتقان، المسؤولية، الإخلاص، بر الوالدين). هذه الموضوعات يسهل معالجتها بطريقة عصرية وجذابة دون الإخلال بأساسها.
3. تجنب الجدل والفتن: المنصات السريعة بيئة خصبة للجدل والصراعات. يجب أن يكون الهدف هو البناء والتزكية، لا الدخول في معارك فقهية أو سياسية معقدة لا يستوعبها الجمهور الرقمي في مقطع مدته 60 ثانية.
الجاذبية وضرورة الإتقان في الأداء والإنتاج
إن الإتقان في العمل من صميم الدين. وكما قيل: "الكمال هو ما وراء الإبهار” إن إتقانك لأدوات التسويق والإخراج هو إتقان لأداء الرسالة الدعوية، ومن أمثلة الإتقان في هذا الجانب ما يأتي:
1) صناعة "الخطاف": في المحتوى القصير، الدقائق الأولى هي مفتاح الاستمرار. استخدم "السؤال الصادم" أو "الإحصائية المثيرة" أو "القصة العصرية" لبدء المقطع، مع ربطها سريعًا بالهدف الشرعي. هذا لا يخالف الشرع، بل هو استخدام لـ "بلاغة التأثير" في الدعوة.
2) مراعاة لغة الشباب وموضوعاتهم: (اللغة): استخدم لغة بسيطة، قريبة من لغة الشباب اليوم، مع الابتعاد عن الابتذال أو الكلمات الهابطة. (الموضوعات): عالج قضاياهم المعاصرة (الاكتئاب، العلاقات، الهوية، الثقة بالنفس، الانبهار بالغرب، إدارة الوقت، المال الحلال). حين يرى الشاب أن الدين يتحدث عن مشكلته، سيزيد إقباله.
3) جمالية الإخراج: (التصوير والإضاءة): يجب أن تكون جودة الإنتاج عالية، فالجودة البصرية أصبحت معيارًا للمصداقية في الفضاء الرقمي. (الإيقاع والمونتاج): يجب أن يكون المقطع سريع الإيقاع، خفيف التغيير، مع استخدام رسوم متحركة بسيطة أو مؤثرات بصرية تخدم الرسالة ولا تشتت عنها.
4) شخصية الداعية: كن أنت كما أنت. الشباب يبحثون عن الصدق والأصالة. ابتعادك عن التكلف والمبالغة في الظهور (التي أشرت إليها) هو بحد ذاته عامل جذب كبير. كن طبيعياً، مبتسماً، واثقاً بما تقول.
ضوابط تجنب التكلف والتسطيح
لتفادي التكلف والمبالغة، اتبع هذه الضوابط:
* مراجعة المختصين: قبل نشر المحتوى ذي الحساسية الشرعية، اعرضه على طالب علم موثوق به ليراجع المضمون.
* الوضوح في نهاية المقطع: دائمًا اختم المقطع بخلاصة واضحة للمفهوم الشرعي، وادعُ المشاهد إلى مصدر موثوق للتوسع والتعمق (مثل كتاب، أو مقطع أطول على يوتيوب، أو موقع إلكتروني). هذا يضمن عدم إبقاء المعلومة ناقصة.
* القصد والتوسّط في المؤثرات: استخدم المؤثرات الصوتية والبصرية لخدمة الرسالة وليس للإبهار لذاته. إذا كان المؤثر يصرف الانتباه عن العبرة، فاستغن عنه.
أيها الداعية الرقمي المبدع، ثق بأنك على ثغر عظيم. تذكر أن الرسالة هي الأهم، والإخراج هو وسيلة. اجعل شعارك قول النبي ﷺ: "بلِّغوا عني ولو آية" (رواه البخاري). وأنت تبلغ الكثير من الآيات والأحاديث. استمر في تطوير مهاراتك، وكن شجاعًا في التجريب، ولا تخف من النقد البناء.
وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يسدد خطاك، وأن يجعل لك لسانًا صادقًا مؤثرًا، وأن يبارك لك في وقتك وعلمك وجهدك، وأن يجعلك من الدعاة الذين قال فيهم النبي ﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" (رواه البخاري ومسلم).
روابط ذات صلة: