حرمان قاتل الخطأ وشبه العمد من الميراث

<p>نحن نعلم أن قاتل العمد لا يرث فهل يقاس عليه قتل الخطأ أيضا أم أن الحكم يختلف، وما عقوبة القتل الخطأ؟</p>

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالمجمع عليه لدى الفقهاء أن القتل العمد مانع من الميراث، لورود الحديث في حرمانه، ولأن الحديث لم يحدد نوعية القتل اختلفوا هل يلحق بالقتل العمد القتل شبه العمد والخطأ أيضًا، وهل تلحق الوصية بالميراث أم لا، فالذين أخذوا بظاهر الحديث عمموا الحكم على كل قتل، ومن خصصوه بالقتل العمد لم يمنعوا قاتل الخطأ أو شبه العمد من الميراث. والوصية كذلك منهم من جعلها كالميراث، ومنهم من لم يجعلها.

 

اختلاف الفقهاء في نوع القتل المانع من الميراث

 

جاء في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي – رحمه الله -:

 

ثبت في السنة تشريع عقوبة أخرى للقتل العمد وهي الحرمان من الإرث، والوصية، وذلك في قوله ﷺ: «ليس لقاتل ميراث»، وفي رواية: «لا يرث القاتل شيئًا»، وفي قوله عليه الصلاة والسلام «ليس لقاتل وصية» فإذا قتل الوارث مورثه، أو الموصى له الموصي، حُرم من الميراث والوصية، عملاً بمبدأ سد الذرائع، كيلا يطمع أحد بمال مورثه، فيتعجل موته بالقتل.

 

لكن اختلف الفقهاء في نوع القتل المانع من الميراث أو الوصية، فالقتل من حيث المبدأ مانع من الميراث بالاتفاق، لكن الخلاف في تحديد صفة القتل.

 

فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن القتل العدوان بغير حق، الصادر من البالغ العاقل، عمدًا أم خطأ، مانع من الميراث. لكن يشترط عند الحنفية أن يكون القتل مباشرة لا تسببًا.

 

ولم يميز الشافعية والحنابلة بينهما، فقالوا: لا فرق بين المباشرة والتسبب، فكلاهما مانع من الإرث. وإذا كان القتل بحق وهو القتل غير المضمون كالقتل قصاصًا أو حدًّا أو دفاعًا عن النفس أو قتل العادل الباغي، أو كالقتل الحادث بسبب التأديب كضرب الأب والزوج والمعلم، فلا يمنع الميراث عند الحنفية والحنابلة، ويمنع الميراث عند الشافعية، أي أن القتل غير المضمون يمنع الإرث عند الشافعية، وعند الحنابلة لا يمنع. والقتل بإكراه مضمون عند الشافعية والحنابلة، فيمنع الميراث. والقتل الصادر من الصبي أو المجنون أو النائم لا يمنع الميراث عند الحنفية، ويمنع الميراث عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه قتل بالتسبب.

 

وقال المالكية: إن القتل العمد، ومثله شبه العمد المعروف عند غيرهم والمقرر استثناء لديهم هو المانع من الميراث، سواء أكان مباشرة أم تسببًا، وأما القتل الخطأ فلا يحرم الإرث.

 

وعلى هذا فأشد المذاهب في جعل القتل مانعًا من الميراث هم الشافعية ثم الحنابلة، ثم الحنفية ثم المالكية. والسبب في التشدد إطلاق حديث: «ليس للقاتل شيء»؛ لأن القاتل لو ورث لم يؤمن أن يستعجل الإرث بالقتل، فاقتضت المصلحة حرمانه: «من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه».

 

والقتل المانع من الوصية عند الحنفية: هو القتل المانع من الإرث وهو أن يكون صادرًا من بالغ عاقل، ومباشرة لا تسببًا، وعدوانًا أي بغير حق، سواء أكان عمدًا أم خطأ.

 

وعند المالكية لا يصلح القتل الخطأ مانعا من الوصية كالميراث، وأما القتل العمد ومثله شبه العمد، فهو مانع من الوصية على الراجح إن لم يعلم الموصي بأن الموصى له ضربه. فإن علم الموصي بمن ضربه أو قتله، ولم يغير وصيته، أو أوصى له بعد الضرب صحت الوصية، سواء قتله عمدًا أم خطأ.

 

ومثلهما قال الحنابلة: الأصح أن القتل بغير حق، سواء أكان عمدا أم خطأ يبطل الوصية؛ لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها، فهي أولى بحرمان القاتل منها.

 

وقال الشافعية: الأظهر أن الموصى له لو قتل الموصي ولو تعديا، استحق الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد فأشبهت عقد الهبة، وخالفت الإرث.

 

والخلاصة: إن القتل المانع من الميراث مانع عند الجمهور من الوصية. وأما عند الشافعية: فلا يعتبر القتل مانعًا من الوصية، وإن منع الميراث.

 

والله تعالى أعلى وأعلم.