الإلحاد الأبوي.. ماهيته وماديته

<p>سمعت عن مصطلح الإلحاد الأبوي.. فهل يمكن إعطاء معلومات أكثر عن هذا المصطلح وهل له علاقة بالفكر المادي؟</p>

في البداية أشكركم -أخي الكريم- على السؤال، الذي يحاول كشف أحد أهم الأقنعة التي يتخفى وراءها الإلحاد، زاعمًا أن له أسبابه العقلية والنفسية التي تبرر للإنسان أن ينكر وجود ربه سبحانه وتعالى، ويتخلى عن الإيمان به.

 

التفسير النفسي للإلحاد الأبوي

 

والحقيقة -أخي الكريم- أنه يمكن النظر إلى ما يسمى بـ"الإلحاد الأبوي" من أكثر من منظور، منها التفسير النفسي لهذا الإلحاد الزاعم أن أزمة الابن مع أبيه الأرضي، تقود إلى إنكاره لوجود أبيه السماوي"، وفق المنطق المسيحي.

 

ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إلى "الإلحاد الأبوي" بأنه تعبير عن وجود خلل عقلي وعقائدي في إدراك مفهم الإله، فهؤلاء الأشخاص يظنون أن دور الإله في حياتهم يشبه دور الأب سواء بسواء، فكما أن على الأب أن يلبي حاجات الأبناء من طعام وشراب ورعاية وحماية، وإذا قصر في تلبية تلك الحاجات، فإن دوره يهتز، وربما ينتهي من الأسرة.

 

وهؤلاء يرون أن دور الإله لا يختلف عن دور الأب، وأن دور الإله هو تلبية حاجات الأفراد وإشباعها، وحمايتهم من الأضرار وجلب المنافع لهم، وإذا لم يحدث ذلك فلا حاجة لهم في وجود إله يُملي عليهم أوامره.

 

ولعل هذا النوع من الإلحاد هو الأكثر انتشار؛ فالإلحاد هنا هو نتاج لأزمة عقلية عقائدية حول تصور الإله وعلاقته بالإنسان، ولعل هذا الخلل في التصور عن الإله له جذوره المرتبطة بتجسيد الإله، في الفلسفات القديمة اليونانية والإغريقية والتي تسربت إلى اليهودية والنصرانية.

 

العدمية والإلحاد

 

ومن ناحية ثالثة: فإن المفكر المسلم "علي عزت بيجوفيتش" يذهب أن هذا النوع من الإلحاد ما هو إلا تعبير عن اليأس، على اعتبار أن العدمية والإلحاد ينبعان من مصدر واحد هو فقدان المعنى في الحياة، فهو يرى أن الإلحاد له جذر ديني، يتمثل في الاحتجاج على غياب الإله وليس إنكار وجوده، وضرب مثالاً معبرًا عن ذلك، فالشمس عندما تغيب في المساء، يظل الدفء موجودًا، فاختفاء الشمس لا يعني غياب أثرها ليلاً، فالملحد المحبط أو الخائب، ليس ذلك الذي اقتنع يقينًا بعدم وجود الإله، بل هو الذي فقد إيمانه بعدما لم يجد في الحياة ما يشبع عطشه الروحي، فهو أشبه بمسافر ظل طويلًا في الصحراء، يبحث عن نبع ماء، وحين لم يجده، قرر أن ينكر وجود الماء نفسه.

 

 نظرية الإسقاط

 

وقد حاول عالم النفس الأمريكي "بول فيتز" أن يدرس الإلحاد من منظور علم النفس، في كتابه الشهير "إيمان اليتيم: سيكولوجية الإلحاد" على اعتبار أن للأب دورًا بارزًا في إلحاد غالبية مشاهير الملحدين خلال القرون الأربعة الأخيرة، وقد استدعى نظرية "الإسقاط" التي طرحها عالم النفس اليهودي "فرويد" في فرضيته، حيث ترى نظرية "الإسقاط" أن الإيمان بالله ليس سوى نتاج رغبة الإنسان في الأمان.

 

وانطلاقًا من ذلك رأى "فيتز" في التحليل النفسي أنه يُقدم تفسيرًا أكثر إقناعًا للإلحاد؛ فخيبة الأمل من الأب الأرضي، سواءً بالموت أو الغياب أو سوء المعاملة، غالبًا ما تؤدي إلى رفض وجود الخالق سبحانه وتعالى.

 

وقد درس "فيتز" السير الذاتية لأهم الملحدين خلال القرون الأربعة الماضية وذهب إلى أن "فرضية الأب المعيب" تقدم تفسيرًا متماسكًا لهذا الإلحاد الشديد من هؤلاء الأشخاص، كما أن أكثر المدافعين عن الفكر المسيحي خلال نفس القرون كان عدد الآباء "المعيبين" أقل بكثير من آباء هؤلاء الملحدين الشرسين.