كيف تعثر الأمة المسلمة على مفاتيح نهضتها؟

<p>كيف تعجز أمةٌ تملك مفاتيح القيادة عن فتح أبواب النهضة؟&quot;</p>

أحييكم أخي الكريم على هذا السؤال الساعي إلى طرح قضايانا الرئيسية والكبرى على طاولة النقاش، لتنبيه عقل الأمة وعقلائها إلى الأسئلة الحقيقية وليس ضياع الأعمار في نقاشات مفرغة من المحتوى الحقيقي .

 

والحقيقة أن ما تفضلتم عن عجز الأمة التي يحول بينها وبين المضي في طريق النهضة، هو أمر واقع، لكن تلك الموانع تنقسم بين داخلية وخارجية، لكن الفكرة الأساسية التي ترتكز عليها كل العوائق هي الأزمة الممسكة بعقل الأمة ووعيها، وليس المقصود بالأفكار هو الحديث عن المعرفة والمعلومات وأحاديث المثقفين، ولكن ما نقصده هو الأفكار التي تحرك الأمة وتحفزها نحو أهدافها وغاياتها، وتحدد لها هويتها وأعداءها، وكيفية الاستفادة من طاقاتها وثرواتها.

 

وسؤال النهضة والبحث عن عوائق النهوض وتعثراته هو سؤال مضى عليه أكثر من قرن من الزمن، وكان هو السؤال الذي أطلق الأفكار التجديدية في الأمة المسلمة منذ احتكاكها الكبير بالغرب خلال وعقب الحملة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، إذ كان وخز السؤال شديدًا؛ نظرًا لأن التراجع كان كبيرًا، والهوة الحضارية كانت شديدة الاتساع، والصدمة كانت مدوية في العقول والنفوس.

 

كانت محاولات المصلحين للإمساك بمفاتيح النهضة متنوعة، وكان علماء الدين من أوائل من سعوا للبحث عن تلك المفاتيح واستخدامها، ونشير هنا إلى أن البعض من هؤلاء الرواد رأى أن النهوض يأتي من تجديد الفكر الديني باعتباره القاطرة القادرة على سحب الأفكار والجهود نحو النهوض والتقدم، وهؤلاء رأوا ضرورة أن تأتي أفكار النهوض من داخل إطار الإسلام نفسه، وليس من خارجه، والمقصود بهذا الكلام أن منظومة القيم التي يرتكز عليها النهوض لا بد أن تكون نابعة من الإسلام، أما ما يتعلق بالحياة المادية من تصنيع وزراعة... إلخ، فمن الضروري البحث عن أفضل التجارب.

 

هؤلاء النهضويون عندما تحدثوا عن ذلك التجديد نظروا للإسلام نظرة واسعة، ووفقًا لرؤيتهم ذكروا أنه يرتكز على ثلاث ركائز القرآن، والسنة النبوية، وعصر الصحابة والتابعين والسلف الصالح باعتباره عصر التطبيق الأمثل للإسلام.

 

ولذا كان الإصلاح الديني من أهم المفاتيح لإحياء النهضة في الأمة المسلم، ولعل مقولة الشيخ أمين الخولي -وهو من رواد التجديد في تلك الفترة- إن "التجديد يبدأ من قتل القديم فهمًا وبحثًا ودرسًا" فتحت العقول نحو مركزية الإسلام في أي مشروع نهضوي، فنوقشت الكثير من الأفكار والآراء التي كانت سائدة في فترات سابقة وتم نقدها، واختبار قدرتها على إنهاض الأمة من كبوتها وعثرتها.

 

ولعل من أهم تلك الأفكار العلاقة بين الدين والعلم، ورسم مسار أكثر عصرية في علاقة الأمة بالسلطة من خلال وضع الدستور أو "المشروطية" -حسب الاستخدام الأول لمفهوم الدستور- وتشجيع إنشاء المجالس النيابية التي تراقب عمل السلطة، والتي تعيد الاعتبار للأمة في مراقبة الحكام، كذلك مقاومة أفكار التسلط والحقوق الواسعة التي تحصل عليها الحكام تحت غطاء من آراء بعض الفقهاء التي بررت كثيرًا من تجاوزات أهل السلطة في ذلك الزمان.

 

وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: "إن أعظم بدعة عرضت على نفوس المسلمين في اعتقادهم؛ هي بدعة اليأس من أنفسهم ودينهم، وظنهم أن فساد العامة لا دواء له، وأن ما نزل بهم من ضر لا كاشف له، وتلك علة من أشد العلل فتكًا بالأرواح والعقول"؛ فاليأس من الإصلاح كان مرضًا منتشرًا، وكان على المصلح الإبحار بروحه وأفكاره بعكس الاتجاه السائد، وبث الأمل بعد اقتلاع اليأس من النفوس، فكان تجديد الروح والدين.

 

ومن هنا فإن اليأس من نهضة الأمة واستعادتها لقوة هو موقف عقلي يحتاج إلى تصحيح؛ لأن اليأس يقعد الناس عن الأمل ويفقدهم الأمل في الغد، فلا تيأس أخي الكريم.