فيمنزم لماذا يُعادي الرجل؟

<p>ماذا تعني كلمة فيمنزم؟ وهل هذا المفهوم وتحريكه في المجتمع قادر على إحداث شرخ في العلاقة بين الرجل والمرأة وتدمير الأسر؟</p>

في البداية -أخي الكريم- أشكركم على سؤالكم، الذي يكشف جانبًا من معاول تحطيم مؤسسة الأسرة عالميًّا، تلك المؤسسة الأقدم في تاريخ الإنسانية، فهدم الأسرة هو إشاعة للفوضى وفتح الأبواب لشرور كثيرة.

 

والـ"فيمنزم" من بين تلك الأفكار والحركات التي تضرب بمعولها في الأسرة، خاصة منذ تحول بعض مطالبها من المساواة مع الرجل في التصويت والتمثيل، إلى معاداة الرجل وكراهية الأسرة.

 

"الأمومة عبودية.. والأطفال قيود.. والأسرة سجن.. والرجل عدو"، ربما تكون هذه هي الأصوات العالية في الحركة النسوية منذ الستينيات من القرن الماضي، تلك المقولات في حقيقتها هي معاداة لدور المرأة الفطري والاجتماعي والإنساني، قبل أن تتحول للعداء الواضح مع الرجل وكراهية للأسرة، وكما تقول إحدى رائدات النسوية وهي "سيمون دي بوفوار": "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك"، أي أن المرأة نتاج ثقافة مجتمع ولم تُخلق امرأة!!

 

والحقيقة أن مناقشة مفهوم "فيمنزم" من الضروري عدم فصله عن السياق الذي نشأ فيه، فعلى امتداد قرون طويلة كانت هناك نظرة احتقار وازدراء للمرأة، وتحميلها جزءًا كبيرًا من أوزار البشرية، ووصل الأمر للتشكيك في إنسانيتها.

 

في هذا السياق المشحون باحتقار المرأة، كان على المرأة أن تبحث عن إنسانيتها ومكانتها وكرامتها، بالخروج من هذا الازدراء والظلم الاجتماعي، فتعالت أصوات النساء الرافضة لهذا الظلم والازدراء، وكان حلمهن ورغبتهن هي المساواة والكرامة.

 

في هذا السياق ظهر مصطلح "فيمنزم" Feminism كتعبير عن حركة اجتماعية سياسية وفكرية تطالب بالمساواة بين النساء والرجال في جميع مجالات الحياة.

 

والـ"فيمنزم" مصطلح متغير وحركة متغيرة في مسارها ومطالبها منذ نشأتها، ففي بدايتها كانت حركة تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة، ومنح المرأة حق التصويت والتمثيل السياسي، ولكنها بعد ذلك سعت أن تكون نظرية اجتماعية تحمل في طياتها أفكارًا متنوعة بعضها يعادي الرجل والأسرة وحتى إنجاب الأطفال، وهناك أصوات داخلها تقاوم الدور الفطري للمرأة كأنثى وأُم.

 

يشكك مفكرون غربيون في الدوافع التي وقفت وراء تشجيع المرأة للخروج للعمل مع الثورة الصناعية، ويرى هؤلاء ومن بينهم المؤرخ الكبير "ول ديورانت" أن أصحاب المصانع كان لهم دور في هذا الخروج لتقليل نفقات الإنتاج؛ نظرًا لأن المرأة تأخذ نصف أجر الرجل، لكن مع هذا الخروج أخذت المرأة تتخلى تدريجيًّا عن دورها الفطري، ومن ناحية نما شعور جماعي في الأوساط النسائية بأنهن يتعرض للظلم وعدم المساواة.

 

ومن هنا أخذت الأفكار النسوية في الظهور والتعبير عن نفسها، وكانت البداية الأولى مع الكاتبة المسرحية الفرنسية "أوليمب دو غوج" التي نشرت عام 1791م إعلان حقوق المرأة والمواطنة، وأدانت فيه عدم المساواة بين الرجل والمرأة، وقالت: "المرأة لها أن تمتلك الحق في الوصول لمنصب رئيس البرلمان"، وكان نصيبها بعد ذلك الإعدام بالمقصلة.

 

لكــــــن، ومع الستينيات من القرن الماضي ظهرت اتجاهات راديكالية داخل الحركة النسوية انتقلت ببعض المطالب من خانة المساواة إلى خانة معاداة الرجل وكراهيته، ومعاداة الأمومة والأسرة، وبعضها طالب بالشذوذ الأنثوي للاستغناء عن الرجل، وبعض كاتبات هذا الاتجاه اعتبرن ممارسة الجنس الفطري بين الرجل والمرأة والإنجاب نوعًا من الهمجية، وأن تحرير المرأة من الأمومة والأسرة هو بداية انعتاقها من الهيمنة الذكورية عليها؛ لأن الأسرة هي المجال الذي تتجلى في الأدوار الفطرية بين الرجل والمرأة، ولذلك ظهرت أصوات متعددة في الحركة النسوية تتطالب بالإجهاض، وترى تلك الأصوات المتطرفة أن الأمومة هي قيد على حرية المرأة يجب أن تحطمه.

 

وربما هذا ما جعل شعبية النسوية متراجعة عالمية، ولا تتمتع بالقبول؛ فالكثير يرى أن النسوية حركة موجهة للنساء فقط ولا تهتم إلا بهن، وهذا ما أضعف شعبيتها وجعل الكثير من الرجال يناهضها ليقينهم أنها حركة وأفكار تعاديهم.

 

وأخيرًا -أخي الكريم- لو نظرنا إلى الإسلام فسنجد الحقيقة أن حديثًا شريفًا رواه الإمام أحمد والترمذي، وهو "النساء من شقائق للرجال" يقوض الأسس والأفكار التي قامت عليها النسوية؛ فالحديث يؤكد أن النساء نظائر الرجال وأمثالهم في الأخلاق والطباع والأحكام، أي أنهن مساويات لهم في كثير من الأمور، وكلمة "شقائق" تعني "نظائر" أو "أمثال"، وهذا الحديث الشريف يقوض كل أفكار النسوية البالية المزيفة.