هل مريم أخت هارون وموسى؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. ماهر السوسي
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 1272
  • رقم الاستشارة : 4135
16/02/2026

فضيلة المفتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. حينما أقرا القرآن وخصوصًا سورة مريم -عليها السلام- يستوقفني قول الله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فلماذا قال "يا أخت هارون" ولم يقل يا أخت موسى؟ وهل حقيقة أن مريم -عليها السلام- هي أخت نبي الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام؟ وهل هي نبية أم ليس الأمر كذلك؟

الإجابة 16/02/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

هل مريم أخت هارون وموسى؟

 

فإن هذا السؤال كثيرًا ما يتردد على ألسنة الناس، والسبب في ذلك أن القرآن الكريم قد نسب مريم إلى أبيها (عمران)، حيث جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: ١٢] فهذه الآية صرحت بأن أبا مريم -عليها السلام- هو عمران، لكن موضع الخلاف كان في عمران ذاته، هل هو نفسه أبو نبي الله موسى، فالقرآن لم يذكر ذلك, إنما ذكر نسب النبي موسى -عليه السلام- عن طريق المفسرين، كما سنبينه بإذن الله.

 

أما مريم -عليها السلام- فقد ورد في أبيها عدة روايات كما نقل الإمام القرطبي في تفسيره، وهي:

 

1. إن أباها عمران هو من نسل نبي الله سليمان، عليه السلام.

 

2.   وقيل هو عمران أبو موسى وهارون –عليهما السلام- وهو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب، عليه السلام.

 

3.   وقيل هو عمران بن ماتان.

 

فهذه ثلاث روايات مختلفة في نسب النبي عمران -عليه السلام- وقد جاء ذكر هذه الروايات عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، [ال عمران:٣٣]، ومن المفيد أن نبين هنا أن عمران المذكور في الآية السابقة هو أبو مريم -عليها السلام- بدليل سياق الآيات التي تليها، حيث جاء قوله تعالى بعد آية واحدة: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران: ٣٥]، حيث من المعلوم أن من كانت في بطنها هي مريم، عليها السلام.

 

وحتى يمكننا ترجيح واحدة من هذه الروايات فلا بد لنا من معرفة نسب نبي الله موسى -عليه السلام- ونسوقه كما ورد عند العلماء على النحو التالي: فهو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبي الأنبياء، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

 

هذا، ولم أجد خلافًا في نسب عمران أبي موسى؛ بل إن العلماء قد اتفقوا عليه.

 

إذًا نستنتج مما سبق أن موسى ومريم -عليهما السلام- يشتركان في اسم الأب وهو (عمران)، لكن هل هو شخص واحد أم لا؟ وبناء على ذلك هل هي أخت هارون بالفعل؟

 

للعلماء كلام في ذلك عند قوله تعالى؛ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم : 28]، ونسوق كلامهم على النحو التالي:

 

أولاً: إنها ليست أخت هارون ولكنها من نسله، وقالوا لها يا أخت هارون ليذكروها بفضله، وإن ما أتت به لا يليق بامرأة هي من نسل نبي.

 

ثانيًا: إنه كان في زمانها رجل صالح منقطع للعبادة اسمه هارون –وكان بنو إسرائيل يسمون بأسماء أنبيائهم تبركًا– ولما كانت عابدة مثله قالوا لها يا أخت هارون إن ما جئت به ينبغي ألا يكون من امرأة هي في الزهد مثل هذا الرجل.

 

ثالثًا: وقيل إنه كان في زمانها رجل فاسق غاية في الفسق والفجور اسمه هارون، فلما جاءتهم بولد وهي غير ذات زوج، قالوا لها "أخت هارون" تشبيها لها به بالفسق والفجور.

 

فهذه أقوال ثلاثة ذكرها العلماء في بيان نسبة مريم عليها السلام إلى هارون، القول الأول منها هو الراجح عند العلماء للأدلة التالية:

 

1. جاء في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا؛ إنكم تقرءون (يا أخت هارون) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: "إنهم كانوا يسمونه بأنبيائهم والصالحين قبلهم"، ويستفاد من هذا الحديث أمران: أولهما: أن مريم ليست أخت هارون وموسى، حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنهم كانوا يسمونه بأسماء أنبيائهم"، والأمر الثاني: أن بين موسى وهارون وبين عيسى وأمه مريم زمنًا لا يمكن أن تكون مريم فيه أختًا لهارون، كما في الدليل الثاني التالي.

 

2. وقد جاء في بعض روايات الحديث السابق أن النصارى قالوا له – أي للمغيرة بن شعبة راوي الحديث- إن صاحبك – يعني النبي ﷺ يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، وفي رواية أخرى ألف سنة أو أكثر، كما ذكر الزمخشىري في تفسيره، ثم علّق على ذلك قائلاً: "فلا يتخيل أن تكون مريم أخت موسى وهارون".

 

ومما سبق يتبين لنا أن مريم ليست أخت موسى وهارون -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- ثم إن عمران أبا موسى وهارون، ليس هو عمران أبو مريم؛ بل هو تشابه في الأسماء، حيث الأسماء تتكرر.

 

هل مريم نبية أم صديقة؟

 

ويبقى الآن أن نجيب على السؤال الأخير وهو: "هل مريم -عليها السلام- نبية أم صدّيقة؟

 

وللإجابة على ذلك نقول: إن الراجح من أقوال المفسرين أنها نبية، واستدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم: 24]، فالذي نادى مريم هو جبريل -عليه السلام- كما نقل عن ابن عباس وغيره من الصحابة -رضي اللّه عنهم أجمعين- ومعلوم أن جبريل هو آمين الوحي، فنداؤه كان وحيًّا لها، والوحي إنما يكون للأنبياء.

 

ومن أدلة نبوتها أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 42]، والاصطفاء يعني الاختيار، فالله تعالى اختارها للنبوة كما اصطفى غيرها من الأنبياء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: 33].

 

ثم إن الله تعالى قد ذكرها في جملة الأنبياء الذين ذكرهم في سورة الأنبياء حيث قال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 91]، فقد عدها ضمن مجموعة الأنبياء الذين عد الله نعمه عليهم في هذه السورة.

 

هذا، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".

 

وعلّق القرطبي على هذا الحديث بقوله: "قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: الكمال هو التناهي والتمام، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة، فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتي بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في (التحريم).

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

لماذا لا تكون المرأة نبياً أو رسولاً؟!

المسيح المسلم عليه السلام.. إضاءات من سيرته في القرآن

الرابط المختصر :