الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 5005
07/06/2026
في مكان عملي أو في الأماكن العامة، أجد صعوبة في أداء السنن الرواتب، أو قيام الليل عندما أكون مسافرًا، وأخجل أحيانًا من أن يقول عني زملائي أو رفاقي في السفر إني متصنِّع أو مُرائي، فلا أقوم بها رغم حبي لها.
هل في هذا ضعف إيمان؟
وكيف أربي نفسي على الإخلاص دون أن أُبالغ في مراعاة نظرة الناس؟
وهل يُكتب لي أجر السنَّة إن منعتني الحرج منها؟
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن
يثبتك على طاعته، وأن يرزقك الإخلاص والقبول في القول والعمل، وأن يشرح صدرك،
ويسدد خطاك ويجعلك من عباده المخلصين المخبتين، وبعد...
هل
ما تجده في نفسك يُعدُّ ضعفًا في الإيمان؟
دعني
أطمئن قلبك أولًا: لا يا أخي، ليس هذا بالضرورة ضعفًا في الإيمان؛ بل
على العكس تمامًا، فإن مجرد خوفك من الرياء، وتحرُّق قلبك أسفًا على فوات هذه
الطاعات، وحبك الشديد لها، هو علامة من علامات حياة الإيمان وقوته في قلبك.
فالقلب الميت لا يكترث بالرياء، ولا يحزن على فوات الفضائل.
وقد
كان السلف الصالح -وهم سادة الأمة في الإيمان- يرتعدون خوفًا من النفاق والرياء.
يُروى عن التابعي الجليل ابن أبي مليكة أنه قال: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ،
كلهم يخاف النفاق على نفسه».
إن
ما تمر به أخي الكريم هو مزيج من الحياء الاجتماعي الطبيعي، ووسوسة
الشيطان الذي يدخل للعبد الصالح من باب الخوف من عدم الإخلاص ليصدَّه عن
الطاعة. أي أن الشيطان حين عجز ويأس من جعلك تترك الفرائض، جاءك من باب حفظ
الإخلاص ليجعلك تترك النوافل!
ويقول
الله -سبحانه وتعالى- واصفًا عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]،
وقد فسرها النبي ﷺ لعائشة -رضي الله عنها- بأنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون،
وهم يخافون ألا يُقبل منهم.
لذا،
فاطمئن يا أخي، إن قلبك حي وإيمانك بخير؛ لكنك تحتاج إلى إعادة ضبط بوصلة التعامل
مع نظرات الناس.
كيف
تربي نفسك على تجاوز نظرات الناس؟
تربية
النفس على الإخلاص عملية مستمرة، تحتاج إلى فقه وعلم يقي العبد من مصايد الشيطان.
وإليك بعض الخطوات لإدراك ذلك:
1- فهم حِيَل الشيطان:
يقول
الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل
الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». فحركتك وسكونك يجب أن يكونا لله. وإذا
تركتَ صلاة النوافل في العمل لأنك تخاف أن يقولوا عنك إنك مُراءٍ، فقد وقعت في فخ
مراعاة الناس وترك الطاعة لأجلهم!
2-
تذكَّر عجز الخلق:
الناس
الذين تخشاهم أو تخجل منهم لا يملكون لك في الحقيقة نفعًا ولا ضرًا، ولا جنةً ولا
نارًا. بل إن قلوبهم بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإذا أرضيتَ الله بطاعتك، فسيضع لك
القبول في قلوبهم ولو بعد حين. فإن الإخلاص وصدق المقصد يورثان الهيبة والوقار في
عيون المحيطين بك.
3-
كسر الحاجز النفسي:
أصعب
خطوة هي الخطوة الأولى. فمتى ما قمتَ وصليتَ السنَّة أمامهم لأول مرة، كُسر هذا
الحاجز النفسي، وأصبح الأمر عاديًّا عندك وعندهم في المرات القادمة.
هل
يُكتب لك أجر السُّنة إن منعك الحرج؟
من
سماحة الإسلام أن المسافر يُشرع له ترك السنن الرواتب (باستثناء سنة
الفجر وصلاة الوتر). فقد كان هدي النبي ﷺ في السفر التركيز على الفرائض (قصرًا
وجمعًا) وترك الرواتب رفقًا بالمسافر وتخفيفًا عنه. ومع تلك السماحة فضل كبير من
الله، وهو أن أجر هذه السنن التي تتركها في السفر يُكتب لك كاملًا وتامًّا ما
دمتَ كنت محافظًا عليها في حال إقامتك!
والدليل
على ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا
مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا
صَحِيحًا» [رواه البخاري].
أما
في حال الإقامة، في مكان العمل والأماكن العامة، إذا كان مانعك هو مجرد الحرج
النفسي والاستحياء من نظر الناس، فالأصل هنا هو مجاهدة هذا الحرج والاستحياء. لكن
إن غلبك الحرج وتركتها، فإن الله غفور رحيم، إلا أن الأجر الكامل المرتبط
بالمداومة قد ينقص؛ لأن المانع هنا ليس عذرًا قهريًّا كالمرض أو السفر؛ بل عائق
نفسي يمكن التغلب عليه. ومع ذلك، فإن نيَّتك الصالحة وحبك للطاعة يشفعان لك عند
الله، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40].
اقتراحات
عملية في العمل والسفر
-
التواري عن أصحابك: في مقر عملك، ليس بالضرورة أن تصلي
النافلة في الممر أو وسط مكاتب الزملاء أو في حضور الناس. ابحث عن غرفة فارغة، أو
خلف قاطع مكتبك، أو في مصلى العمل إن وجد. فالإخلاص يحب الخفاء، والخفاء يعين على
الخشوع.
-
اصنع بيئة مشجعة: حاول أن تبحث عن زميل -أو أكثر- في العمل يشاركك
الحرص نفسه على النوافل. فوجود صاحب ورفيق يحول الحرج الاجتماعي من فعل شيء ما إلى
ثقافة جماعية إيجابية.
-
المرونة في الأداء:
فسُنة
الظهر البعدية -مثلًا- يمكنك تأخيرها حتى تعود للمنزل إن كان وقت الظهر يمتد
لرجوعك، وإن كان الأفضل صلاتها في وقتها.
وفي
السفر، لست بحاجة للقيام في وسط رفاقك، فيمكنك قيام الليل وصلاة الوتر وأنت
جالس في مقعدك بالحافلة أو الطائرة، تومئ بالركوع والسجود، فالنافلة في السفر تجوز
على الراحلة وبأي اتجاه كانت وسيلة سفرك. كما يمكنك قيام الليل في غرفتك بالفندق
بعد أن ينام رفاقك، لتنعم بخلوة نقية مع الله تعالى.
-
استحضار نية الدعوة:
عندما
تقوم للصلاة، استحضر نية دعوة من حولك للعمل الصالح بالقدوة الصامتة، فبرؤيتهم لك
تصلي يتذكرون ويصلُّون، فتكون قُدوةً لهمً، وتشاركهم أجورهم. فقد قال e:
«مَن دعا إلى هُدًى كان له مِن الأجرِ مِثْلُ أجورِ مَن تبِعهُ، لا ينقُصُ ذلك مِن
أجورِهم شيئًا» [رواه مسلم].
وختامًا
أخي الحبيب، إن طريق الله يحتاج إلى إيمان وثبات، والناس لن يرضوا عن العبد أبدًا،
فاجعل همك كله رضا رب العباد. واعلم أن العبادة في زمن الغفلة ووسط انشغال الناس
لها أجر مضاعف وثواب جزيل عند الله سبحانه وتعالى.
أسأل
الله أن يملأ قلبك بنور الإخلاص، وأن يصرف عنك نزغات الشيطان ووساوسه. اللهم أرِ
أخي الحق حقًّا وارزقه اتباعه، وأرِه الباطل باطلًا وارزقه اجتنابه. اللهم اجعل
سريرته خيرًا من علانيته، واجعل علانيته صالحة. اللهم آمين.
روابط
ذات صلة:
الإخلاص والاستعاذة علاج للرياء والوسوسة