الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
228 - رقم الاستشارة : 3931
25/01/2026
هل أثرت التكنولوجيا الرقمية والإنترنت على علاقتنا مع الغذاء وأوقات تناول الطعام وكيفيته وأنواع الطعام والعلاقة الإنسانية التي كانت تتكون على مائدة الطعام؟
أخي الكريم، لا نبالغ إذا قلنا إن التكنولوجيا الرقمية من الأكثر الابتكارات التي سهلت الحياة البشرية على امتداد المعمورة، لكنها كذلك من أكثر الإنجازات ذات التأثير الممتد على الإنسان؛ إذ أحدثت ما يشبه الانقلاب في حياة الإنسان في نومه ويقظته وعلاقاته.
وكان الطعام من المجالات التي أثرت فيها الرقمية، فغيّرت عاداته في تناول الطعام من حيث مواعيد تناول الوجبات، والعلاقات الإنسانية التي كانت تنشأ حول المائدة، ونوعية الأطعمة، وطريقة الحصول على الطعام، وتحول الطعام لحالة رقمية بامتياز من خلال التسويق والإعلان، وتناسى الإنسان الدعوة الإلهية في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (سورة عبس: الآية: 24) يقول العلامة "الطاهر بن عاشور" في تفسيره "التحرير والتنوير": إن "هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان".
الرقمية وطعامنا
في البداية يجب أن نؤكد أن هناك جانبًا جيدًا ومفيدًا في العلاقة بين الرقمية وطعامنا وعاداتنا الغذائية، فهناك الكثير من المواد المختلفة المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي والفيديوهات التي تتحدث عن الطعام الصحي، ولا تكف عن التحذير من الأطعمة غير المفيدة والضارة بصحة الإنسان، والتي تقود إلى البدانة والمرض والضعف.
لكن على الجانب الآخر، وهو الأكثر شيوعًا؛ فالرقمية أثرت في عاداتنا الغذائية بشكل واضح؛ فالإنسان الحديث أصبح أكثر ميلاً لاستهلاك الأطعمة ذات المحتويات السكرية العالية، وذات الدهون التي يؤثر بعضها سلبًا على الجسم.
لكن الأخطر أن الرقمية أوجدت قلة الحركة مع استهلاك الطعام، وقلة انتباه البعض أثناء تناول الطعام، فأدى ذلك إلى استهلاك كميات كبيرة من الطعام دون وعي بنقطة الشبع التي يجب أن يتوقف عندها الشخص، وقلة الحركة المرتبطة بالإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي، أدت إلى السمنة والترهل.
تشير إحصاءات لعام 2024م إلى أن شخصًا يموت كل (62) دقيقة نتيجة لاضطرابات الطعام، وأن تلك الاضطرابات هي ثالث أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا عالميًّا، ويعاني حوالي (70) مليون شخص من اضطراب الطعام عالميًّا.
والحقيقة أن الرقمية زادت من تعرض مستخدميها للأطعمة غير الصحية، فالمؤشرات تؤكد وجود ارتفاع كبير في تسويق الطعام عبر الإنترنت، وتشير الأرقام إلى أن الحصة السوقية لها تصل إلى (365) مليار دولار، وهو مبلغ ضخم للغاية، لكن دلالته تؤكد أن المنزل لم يعد المكان الرئيسي لتناول الطعام عالميًّا، وأصبح خارج المنزل هو مكان تناول الطعام أو مصدر الحصول عليه.
ولا شك أن هذه النوعية من الأطعمة، تبغي الربح، ومع هذه الغاية تتراجع عوامل السلامة والجودة، ويتم وضع مواد لإكساب الطعم والرائحة على الأطعمة وهو ما يؤثر على صحة الإنسان، وتشير إحصاءات دولية إلى أن الحد الأدنى للوفيات بسبب تلوث الطعام عالميًّا يصل إلى (420) ألف شخص، كما أن بعض هذه الأطعمة تكون ناقلة للأوبئة والأمراض الخطيرة، ويشكل الأطفال حوالي 30% من تلك النسبة، وحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية فإن هناك ما يقرب من (600) إصابة بالأمراض المنقولة من خلال الغذاء سنويًّا على مستوى العالم، وقدّرت المنظمة أن 33 مليون سنة من الحياة الصحية تُفقد سنويًّا بسبب تناول الأغذية غير الآمنة على مستوى العالم، وهذا الرقم أقل من الواقع.
الرقمية والأطفال والطعام
والأخطر في العلاقة بين الرقمية والطعام أن الأطفال الذين نشأوا وتشكل وعيهم على التكنولوجيا الرقمية، هم الأكثر تأثرًا بالرقمية في طعامهم، فتشير إحصاءات إلى أن أكثر من 89% من الأطفال يتعرضون للشاشات أثناء تناول الطعام، فهناك زيادة لوقت الشاشة على حساب الطعام، أو غياب الانتباه أثناء تناول الطعام، وهو ما يؤدي إلى استهلاك مفرط -عند البعض- للطعام.
وتربط دراسات بين سمنة الأطفال والوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، فالكثير من صغار السن يفضلون تناول الوجبات الخفيفة المشبعة بالسكريات والدهون، مما يعيق تناولهم للوجبات الصحية، وهو ما أكدته دراسة في "نيوزيلندا" على أكثر من (5700) طفل وعائلاتهم، وخلصت إلى أن خطر الإصابة بالسمنة قد يأتي بحلول سن الرابعة والنصف، وحسب دراسة أخرى فإنه "غالبًا ما يُبقي إغراء الترفيه الرقمي الأطفال مُلتصقين بالشاشات، مما يؤدي إلى نمط حياة خامل، ويرتبط هذا النقص في النشاط البدني بزيادة خطر الإصابة بالسمنة".
وتشير دراسة كندية شملت عشرة مواقع إلكترونية يستخدمها المراهقون، أعمارهم ما بين 17:12 عامًا، إلى أنه تم بث (14.4) مليون إعلان في عام واحد عن البسكوت والأيس كريم، وأن غالبية تلك الإعلانات روّجت لأطعمة غير صحية، ومن ثم كان تعرض هؤلاء المراهقين بكثرة للإنترنت من أسباب استهدافهم بقوة بتلك الإعلانات المتواصلة والمتكررة.
وأفادت دراسة أمريكية أن 88% من البالغين الذين شملتهم الدراسة، تناولوا الطعام أمام الشاشة، وأفاد آخرون أن خمس وجبات فقط من طعامهم خلال الأسبوع كانت خالية من مشاهدة الشاشة، وهو ما يعني أن تناول الطعام عند الكثير لا يمر عبر العملية الإدراكية.
موضوعات ذات صلة:
لماذا أصبح الإلهاء الرقمي أزمة إنسانية؟
ما علاقة الرقمية بتعفن الدماغ؟
ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟