كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 450
  • رقم الاستشارة : 3913
22/01/2026

كيف تؤثر ثقافة الترند على تنميط الناس وتدجينهم وخضوعهم لسيطرة الشهرة على تفكيرهم؟ هل ناقشت الفلسفة وعلم النفس ذلك المازق الإنساني؟

الإجابة 22/01/2026

أخي الكريم، أصبحت الرقمية هوسًا بشريًّا، استخدامًا وتأثيرًا وتفاعلاً؛ بل وحلمًا وغاية؛ فالرقمية ليست ثورة في مجال تكنولوجيا الاتصالات، ولكن ثورة إنسانية فالإنسان ما بعدها مختلف عما كانت عليه حياته وتفكيره وعلاقاته قبل ذلك.

 

ويأتي "الترند" ليُعيد تشكيل عقول وأحلام وعلاقات الكثير من الناس؛ إذ أصبح غاية تُبتغى وحلمًا يسعى إليه وتجارة يُجنى من ورائها الأرباح، ومجالاً له متخصصوه وصُنّاعه.

 

اعتراف معجمي

 

"الترند" يعني الاتجاه العام أو الشيء الشائع والرائج في وقت معين، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يكون أخبارًا أو أحداثًا أو محتوى أو صورة أو فيديو... إلخ، ويتميز بأنه ينتشر بسرعة كبيرة جدًّا ويحقق نسب مشاهدات عالية، ولكن فترة بقائه قصيرة جدًّا، نظرًا لتزاحم "الترندات" وحالة الاستهلاك السريعة للأحداث التي تستدعي انتقال الانتباه إلى غيره بنفس سرعة الانجذاب إليه.

 

وقد أجاز مجمع اللغة العربية في القاهرة في سبتمبر 2023، لفظ "ترند" وقال جمعه "ترندات" وعرّفه بأنه "موضوع ساخن جديد يُثار على منصات التواصل الاجتماعيّ، فينتشر بسرعة في فترة زمنية قصيرة، ويهتمُّ به الجمهورُ، ويتداولونه بالحديث فيه والتعليق عليه ويتبادلون الأخبار عنه بكثرة"، وعلل المجمع سبب تلك الإجازة، بــ "الحفاظ على سلامة اللغة العربية، وجعلها "وافية بمطالب العلوم والفنون والحفاظ عليها من الضياع والعبث"، ومن ثم أصبح "الترند" كلفظ حاضرًا في العقل اللغوي المعاصر.

 

الفلسفة وثقافة الترند

 

الترند أصبح ذا قدرة تأثيرية فاعلة في الرأي العام، وقادرًا على إحداث تأثير في هوية الفرد والمجتمع، خاصة أنه بات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، ولذلك يمكن النظر إليه كمرآة لما يدور في المجتمع، كما أنه يكشف عن تفضيلات المجتمع واهتماماته الثقافية وانشغالاته، ويكشف كذلك عن قدرة المجتمع على مقاومة الإلهاء والتضليل الإعلامي وعمليات التوجيه نحو قضايا وأحداث بعينها.

 

الفيلسوف الشهير "هابرماس" الذي اهتم بالتكنولوجيا الرقمية وأبدى قلقه من قدرتها على تشويه الفضاء العام، ذلك الفضاء الذي يناقش فيه المجتمع مشكلاته وقضاياه، وعلل ذلك بأن الترند يشبه الموجة قصيرة العمر، التي يغيب فيها العمق والحجة، ويؤكد أن الاتصالات الرقمية تُشكل تحولًا عميقًا في بنية المجال العام، فهي تُغير التكامل الاجتماعي والسياسي بطرق عديدة، فالذي يشكل المجال العام -حسب هربرماس- ليس التباين بين المشاركة الفعالة والسلبية في الخطاب؛ بل المواضيع التي تستحق اهتمامًا مشتركًا، في حين أن العقلانية تُعزز التفاهم المتبادل حول المصالح المشتركة والمختلفة.

 

ومن ثم فـ "ثقافة الترند" تعد –حسب هابرماس- مؤشرًا على تراجع القراءة، كما أنها مؤشر واضح على ضعف الانتباه وافتقاد العمق، وكثرة المعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة والمضللة، وبالتالي تدهور المجال العام، فالبيئات الإلكترونية يسهل التلاعب بها وفيما تنشره؛ لأنها تبني هوية منطقها "العاطفة والإثارة" وليس العقلانية، هذه الحالة تؤدي إلى ظهور جماهير متنافسة متضاربة، وتسليع الأنشطة الثقافية؛ لذا أطلق مصطلح "راسمالية المنصات الرقمية"، والتي لم يصبح هدفها الأرباح أو احتكار السلطة، ولكن أصبح هدفها بجانب ذلك احتكار التوجيه الاجتماعي وتحديد ما هو جيد وما هو سيئ، واحتكار فرض الاهتمامات على الناس.

 

الترند والعدوى الثقافية

 

أخي الكريم، يُلاحظ انتقال بعض المفاهيم من المجال الطبي وعلم الأوبئة إلى مجال التحليل الثقافي، ومن ذلك مفهوم "العدوى"، ولقد لعب عالم الاجتماع الفرنسي "غابريل تارد" المتوفى (1904) دورًا في نقل هذا المفهوم إلى حيز الاجتماع، حيث اعتبر التقليد قوة اجتماعية، تنشر الأفكار والسلوكيات، وهذا الانتقال يكون سريعًا وبلا وعي.

 

والعدوى في المجال الثقافي والاجتماعي حسب "غابريل تارد" تؤكد أن "البشر يميلون إلى تكرار ما يلاحظونه ويختبرونه؛ ما يجعل التقليد سببًا رئيسيًّا للتشابهات"، ومن ثم فالعدوى تلعب دورًا في انتشار ترندات معينة في مجتمع ما، وأشار –وقتها- إلى دور الصحافة في حشد جمهور المتحمسين والمندفعين فيما سمي وقتها "عصر الجماهير".

 

أخي الكريم، نستطيع القول إن الرقمية أتاحت قنوات جديدة وفعالة للعدوى الاجتماعية والثقافية، ومن ثم أصبح الترند الرمز الأبرز لهذه العدوى الجديدة، وكما تشير دراسة علمية إلى الارتفاع الهائل في استخدم الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فتشير الدراسة إلى أنه في "دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وهي منظمة عدد دولها 38 دولة، يتجاوز متوسط ​​استخدام الإنترنت أربع ساعات يوميًّا، وفي بعض الدول يتجاوز ست ساعات يوميًّا، ووفق إحصاءات صينية رسمية أشارت إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت بلغ في الصين 1.051 مليار مستخدم"، ولا شك أن تلك الكثافة في الاستخدام تجعل الترند يطوف الكثير من المجتمعات في وقت قصير مستحوذًا على اهتمام الناس.

 

روابط ذات صلة:

ضوابط استثمار "الترند" الرائج في خدمة الدعوة

الترند الدعوي".. بين الانتشار والمحتوى الجيد

حديث الداعية عن «الترندات».. بيان للحق أم نشر للباطل؟

الرابط المختصر :