الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
543 - رقم الاستشارة : 2191
25/07/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب، أعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتشعبت فيه الآراء، وتعددت فيه الوسائل، وانفتحت الدنيا على الناس بشكل لم نعهده من قبل. أرى الشباب منصرفين إلى الشهوات والشبهات، وأشعر أن الدعوة أصبحت صعبة في ظل هذا الانفتاح الإلكتروني، وضعف التدين العام، واختلاط المفاهيم. فكيف أُبلّغ دعوةَ الله عز وجل؟ وكيف أواجه هذه الموجة الجارفة من التغريب والانفلات، دون أن أفقد هويتي وثباتي؟ أرجو منكم توجيهًا مفصلًا، يعينني على الثبات والدعوة في هذا الزمان المتغير.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
حيَّاك الله أيها الداعية الغيور، وزادك حرصًا على دينه، وثبَّتك على طريق الحق، وجعلنا وإياك من الدعاة الصادقين المصلحين، سؤالك عظيم، وهمّك نبيل، وقد طرقت بابًا من أعظم أبواب الجهاد في هذا الزمان، وهو جهاد الدعوة إلى الله عز وجل في زمن الغربة والانفتاح والتغيرات السريعة، وقد بشَّر به النبيُّ ﷺ حين تحدّث عن المستمسكين بحبل الله المتين في زمن الفتن، كالقابضين على الجمر.
واسمح لي أن أقدم لك هذه الروشتة العاجلة للثبات في زمننا هذا.. وذلك على النحو التالي:
أولا: فهم الواقع شرط لحسن البلاغ
قبل أن تنطلق، لا بد أن تفهم طبيعة الزمان والمكان والجمهور الذي تخاطبه. فنحن في عصر كثرت فيه الشبهات بسبب الانفتاح المعرفي، وازدادت فيه الشهوات بسبب سهولة الوصول للمحرمات، وتغيّرت فيه الوسائل وطرائق التلقي، لكن -انتبه- فإن الحق لم يتغير، والدعوة إليه لم تتوقف، وإنما تطورت وسائلها، وتنوّعت طرائقها، ولا بد للداعية من التكيّف دون أن يفرّط في الثوابت.
ثانيًا: أعمدة الدعوة في هذا الزمان
1) الثبات على الأصول: كن ثابتًا على العقيدة الصحيحة، والفهم السليم للكتاب والسنة، واجعل قدوتك في ذلك رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾.
2) اللين والرحمة: إن الناس اليوم متعَبون، مثقَلون بالضغوط، فاحذر أن تكون قاسيًا في دعوتك، قال الله لنبيّه ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
3) مخاطبة العقول والقلوب: اجمع بين العقل والعاطفة، فأثر الناس لا يكون فقط بالمعلومة، بل بالأسلوب المؤثر والمخاطبة القلبية، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾.
ثالثًا: أدوات الداعية في هذا العصر
1) المنصات الرقمية ساحة دعوة: لا تُهمل مواقع التواصل، فهي مجال خصب، ولها جمهور واسع، لكن احذر أن تجرك الأضواء إلى الرياء أو التساهل في الحق.
2) اللغة المعاصرة والقضايا الحيّة: اختر ألفاظك بعناية، وخاطب الناس بلغتهم ومشاكلهم، واربط الدعوة بواقعهم.
3) القصص والتجارب الإنسانية: للناس ميل فطري إلى القصص، فوظّف السيرة النبوية، والقصص القرآني، وقصص التائبين والمؤمنين بطريقة مؤثرة.
4) العمل الجماعي والشراكات: ابحث عن رفقة صالحة وداعين مخلصين تتعاون معهم، ولا تكن منفردًا في طريق طويل وشاق.
رابعًا: كيف أُثبت نفسي في زحام المتغيرات؟
أخي الداعية الغيور .. أنصح بالآتي عمليًّا:
1) قراءة القرآن بتدبر: فهو النور، والزاد، والعصمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
2) صحبة العلماء والمربين الربانيين: فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه.
3) الرجوع للنية الصادقة: لا تكن دعويًّا لمجرد الشهرة أو المتابعة، بل ابتغِ وجه الله.
4) الابتعاد عن الجدال العقيم والانشغال بالفرعيات: ركّز على ما ينفع الناس ويقرّبهم من الله.
خامسًا: نصائح ختامية لك أيها الداعية المبارك
* اجعل الدعوة جزءًا من حياتك لا طارئًا عليها.
* ابدأ بالأقرب فالأقرب، وأحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ.
* لا تستعجل الثمرة، فالهداية بيد الله، وواجبك البلاغ.
* كن قدوة في سلوكك وأخلاقك، فالناس يرونك قبل أن يسمعوك.
* جدّد نيتك دائمًا، وصلّ صلاة الحاجة وادعُ الله أن يفتح لك القلوب.
وتذكر قول النبي ﷺ: "لأن يهديَ اللهُ بك رجُلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعم".
أسأل الله تعالى أن يفتح لك قلوب عباده، وأن يسخر لك ما يعينك ويثبتك على دعوة الناس نحو الخير.