الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 5545
08/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وجزاكم الله خيرًا على هذا الموقع المبارك، ونفع بعلمكم.
أنا شاب في أواخر العشرينات من عمري، أعمل في وظيفة يومية تأخذ معظم وقتي، وأعيش كغيري من أبناء هذا الجيل وسط شواغل الحياة ومتطلباتها المتزايدة، فضلًا عن كثرة المغريات والمشتتات التي تحيط بنا يوميًا.
مؤخرًا، وأنا أقرأ في كتاب الله بتدبر، توقفتُ طويلًا عند قول الله عز وجل: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، فهزتني هذه الآية من الأعماق، وشعرت برغبة عارمة وشوق صادق في أن أكون ممن ينالون هذا الفضل العظيم وهذه السكينة؛ بأن أكون قريبًا من الله ومشمولًا بولايته ورعايته.
فما المعنى العملي لولايَة الله؟ وهل هي مرتبة محصورة في العلماء والزهاد؟ أم يمكن للمسلم العادي في عمله وحياته اليومية أن يحققها؟
وما الخطوات والعبادات الأساسية التي ينبغي لي التركيز عليها كبرنامج يومي لنيل هذا الفضل؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك وعملك، وأن يشرح صدرك، وينير قلبك، وأن يرزقك
السكينة والطمأنينة، ويجعلك من أوليائه المقربين وعباده الصالحين الذين لا خوف
عليهم ولا هم يحزنون، وأن يثبتك على الحق وسط أمواج الحياة ومشتتاتها، وبعد...
فإن
توقفك عند هذه الآية الكريمة، وشعورك بهذه الهزة الإيمانية والرغبة العارمة في
القرب من الله، هو علامة خير وبرهان على حياة قلبك؛ فإحساس شاب مثلك بالرغبة في
نيل ولاية الله وسط مشاغل الوظيفة والمغريات اليومية هو اصطفاء وتوفيق من الله
تعالى.
معنى
الولاية ومعالمها
الولاية
في أصلها اللغوي والشرعي تأتي من القُرب والنُّصرة والمحبة؛ فـ«ولي الله» هو
القريب من الله -تعالى- بطاعته، والذي يتولاه الله برعايته ونصرته وهدايته، كما
قال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ
إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
ولم
يترك القرآن الكريم معنى الولاية غامضًا أو حكرًا على طبقة معينة؛ بل حدد معالمها
الواضحة في الآية التي تلي الآية التي استوقفتك مباشرة: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ
اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا
وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 و63]. فمن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.
هل
الولاية محصورة في العلماء والزهاد؟
قطعًا
لا، فليست الولاية محصورة فيهم أبدًا. إن من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الولاية
وكراماتها محصورة فيمن يتفرغ للصلاة والذكر معتزلًا في معتكف، ويترك الدنيا وراء
ظهره، أو فيمن يتخصص في العلوم الشرعية فقط.
إن
الإسلام دين حياة، وولاية الله باب واسع يتسع لكل مسلم ومسلمة يحقق شرطَي الإيمان
والتقوى في ميدانه الذي وضعه قدر الله فيه، أيا كان هذا الميدان: علميًّا، أو
تجاريًّا، أو زراعيًّا، أو طبيًّا، أو صناعيًّا... إلخ.
إن
الصحابة الكرام كان منهم فئات كثيرة يخوضون ميادين عدة؛ فكان منهم -على سبيل-
التجار الكبار كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- إذ كانا يديران
صفقاتهما وأعمالهما في الأسواق، ولم يمنعهما ذلك من أن يكونا في أعلى مراتب
الولاية والقرب.
وقد
جاء في الحديث النبوي الشريف: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ
كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ كَالَّذِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ
النَّهارَ» [رواه البخاري]. وهذا يدل على أن الشاب الذي يخرج لعمله اليومي، ليكسب
رزقًا حلالًا، ليكفي نفسه وأهله ويتصدق منه على الفقراء والمحتاجين، هو في عبادة
جليلة قد ترفعه إلى منازل الأولياء والصالحين.
وقد
بيَّن النبي ﷺ الميزان الدقيق للولاية، وكيفية التدرج فيها، في الحديث الشهير:
«إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالْحَرْبِ، وما
تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ علَيْهِ، وما
يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا
أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به،
ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بهَا، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بهَا، ولَئِنْ سَأَلَنِي
لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [رواه البخاري].
كيف
تتجلى ولاية الله في حياة الشاب المعاصر؟
تتجلى
ولاية الله للشاب في حياته اليومية حين يرى آثار توفيق الله في أموره؛ فيلهمه الله
غض البصر وسط المغريات، ويهديه للقول السديد في عمله، ويحفظ قلبه من الهم والضيق،
ويرزقه البركة في وقته ورزقه.
تذكَّر
دائمًا أن تحويل العادات إلى عبادات بالنية الصالحة هو سر الشاب العابد الذكي؛
فخروجك لعملك بنية إعفاف نفسك ورعاية من خلفك وخدمة مجتمعك، يحول ساعات عملك
الدنيوي إلى عبادة مستمرة في ميزان حسناتك.
برنامج
مقترح لنيل ولاية الله وسط المشاغل
لتنال
هذا الفضل العظيم دون أن تتأثر وظيفتك أو تصاب بالفتور، نحتاج إلى برنامج يراعي
طبيعة يومك. والمبدأ الأساسي هنا هو ما قاله النبي ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى
اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رواه مسلم].
1- البركة
في البكور: صلاة الفجر في وقتها هي العهد الأساسي؛ من صلَّاها فهو
في ذمة الله ورعايته طول اليوم. ثم أذكار الصباح التي هي حصنك الروحي للوقاية من
المشتتات والضغوط. ولا تتنازل عن ورد قرآني يومي ثابت بتدبر، ولو كان صفحتين،
فالقرآن هو الذي يحيي القلب.
2- إتقان
العمل: امتثالًا
لقوله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»
[رواه البيهقي].
3-
الذِّكر الخفي والمستمر: استثمر أوقات التنقل والمواصلات أو
الفترات البينية في الاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، والتسبيح، والتحميد، وشتى
أنواع الذِّكر، ليبقى قلبك موصولًا بالله وسط ضجيج العمل.
4-
حراسة الجوارح: غض البصر عن المحرمات، وكف اللسان عن الغيبة
وفضول الكلام في بيئة العمل.
5-
إقامة الفرائض ونوافلها: يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي
عن الله عز وجل: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ
عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ
إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به،
وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن
سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه» [رواه البخاري].
6-
أذكار المساء والوتر: أذكار المساء تحفظك بإذن الله، وبها
تستعيد السكينة بعد تعب النهار. والوتر قبل النوم ولو بركعة واحدة أو ثلاث ركعات،
مع الاستغفار بالأسحار، ولا تحرم نفسك من القيام قبل الفجر ولو بركعتين.
7-
سلامة الصدر: سامح من أخطأ في حقك، ونظِّف قلبك من الغل
والحسد قبل أن تنام، فإن سلامة الصدر من أعظم صفات الأولياء.
نصائح
للثبات وسط المشتتات والمغريات
1-
الرفقة الصالحة: ابحث عن صحبة صالح ولو كان صديقًا واحدًا، يذكرك
إذا نسيت، ويعينك إذا ذكرت؛ يقول الله عز وجل: {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}
[الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ
مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].
2-
إدارة الشاشات: حدد أوقاتًا معينة لتصفح وسائل التواصل
الاجتماعي، ولا تجعل الهاتف أول ما تفتح عليه عينيك صباحًا أو آخر ما تطالعه
ليلًا.
3-
الدعاء والتضرع بطلب الثبات: كان أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب
القلوب ثبت قلبي على دينك»، والهج دائمًا بالدعاء القرآني: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ
أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
وختامًا
يا ولدي، إن طريق الولاية ليس طريقًا معقدًا ولا معزولًا عن واقع الحياة؛ بل هو
طريق استقامة وخلق واستحضار مراقبة الله في كل حركة وسكنة؛ فاستعن بالله ولا تعجز،
وسر في طريقك بخطوات ثابتة ومستمرة.
أسأل
الله -تعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتولاك فيمن تولى، وأن يسبغ عليك
نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يرزقك لذة القرب منه وحلاوة مناجاته، وأن يجعلك هاديًا
مهديًا، مباركًا أينما كنت، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: