الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
433 - رقم الاستشارة : 2218
28/07/2025
أنا شاب أحاول أن أكون داعية إلى الله، ولكن أُخطئ أحيانًا، وتقع مني بعض الذنوب، وأشعر أني لا أستحق أن أدعو غيري، بل أخجل من نفسي حين أنصح غيري بشيء وأنا مقصّر فيه. فهل أترك الدعوة حتى أصلُح نفسي أولًا؟ وهل يجوز لي أن أتكلم عن الطاعات وأنا مذنب؟
أخي الكريم، سلام الله عليك ورحمته وبركاته، سؤالك نابع من ضمير حي، وقلب يريد السلامة، وهو سؤال يطرق أبواب الكثيرين من أهل الدعوة الصادقين؛ لأنهم يعرفون عظمة ما يحملون، ويخشون أن يكونوا من الذين "يقولون ما لا يفعلون".
لكن تذكّر أن الداعية ليس نبيًّا معصومًا، ولا ملاكًا لا يخطئ؛ بل هو بشر يُجاهد نفسه، ويُذكّر الناس بما يحاول أن يلتزمه هو أولا، فكلُّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون.. فأنت في جهادين: جهاد النفس، وجهاد الدعوة، ولا يجوز أن تترك أحدهما.
وتلك قاعدة أزهرية تعلمناها في الدعوة إلى الله، لا يشترط أن تكون معصومًا حتى تدعو، ولكن لا تكن ممن يدعون الناس إلى الخير ويتركونه، فتقع في التناقض المُهلِك، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ولاحِظ أن الله لم يأمرهم بترك الدعوة، بل أمرهم بأن يبدؤوا بأنفسهم، ويكونوا صادقين في القول والفعل.
السؤال الأهم هنا: كيف أوازن بين الدعوة والذنب؟
أقول لك أيها القلب المتحرك بالدعوة:
* تب إلى الله فورًا من الذنب، ولا تستسلم له.
* اجعل دعوتك دافعًا لنفسك نحو الاستقامة، فحين تنصح الناس، تذكّر نفسك أولًا.
* تكلم فيما تعلمه وتؤمن به، ولو قصّرت فيه؛ فالدعوة إلى الحق لا ترتبط بتطبيقك الكامل، بل بحقيقة الحق ذاته.
* لا تُظهِر نفسك في صورة المُصلح الكامل، بل في صورة الأخ الناصح الذي يذكّر غيره وهو بحاجة إلى التذكير أيضًا.
أخي السائل المبارك: هل تعلم أن الصحابي الجليل حنظلة قال مرة: "نافق حنظلة"! لأنه شعر أنه يقصر إذا فارق مجلس النبي ﷺ، ومع ذلك بقي من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ، ومات شهيدًا تُغسِّله الملائكة، فلا تجعل لحظة ضعف أو ذنبٍ حاجزًا بينك وبين أعظم عمل في حياتك: الدعوة إلى الله.
وأخيرا: كن صادقًا مع نفسك، ولا تدّعِ الكمال، ولكن لا تتوقف عن الإصلاح، واستغفر كثيرًا، واجعل الذنب سلّمًا نحو الله لا هاوية إلى اليأس، واحذر أن تُهوِّن من الذنب بحجة الدعوة، ولكن لا تُهوّل الذنب حتى يمنعك من الخير، وسِرْ على طريق الدعاة الصادقين الذين يُصلحون ويُصلَحون.