الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الخطبة والعقد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1338 - رقم الاستشارة : 2367
16/08/2025
خطيبتي ترفض ارتداء العباية واللباس الشرعي.. ما الحل؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب في أواخر العشرينات، محافظ – والحمد لله – وأبحث عن زوجة صالحة تشاركني طريقي في طاعة الله. قبل أشهر خطبت فتاة أعجبتني بأخلاقها وتدينها الظاهر، لكنني لاحظت منذ البداية أنها لا ترتدي اللباس الشرعي الكامل الذي أتمناه لزوجتي. أنا أحب أن تكون زوجتي بعباية فضفاضة، وحجاب ساتر يغطي الشعر كاملًا، مع ملابس فضفاضة لا تُظهر تقاطيع الجسد، وألا تضع زينة أو عطور لغير المحارم.
لكن خطيبتي تلبس ملابس واسعة نسبيًّا، ومع ذلك تُظهر بعض الزينة وتكتفي بحجاب يبرز جزءًا من الشعر أو الرقبة أحيانًا. فاتحتها بالموضوع أكثر من مرة، وشرحت لها حكم الله في الحجاب وشروطه، وبيّنت أن الأمر بالنسبة لي مبدأ ديني وشخصي لا أستطيع التنازل عنه، لكنها ردّت قائلة: "لبسي الحالي جيد، ولا أرى أنني مضطرة لتغييره".
الآن أنا في حيرة: قلبي متعلق بها، لكنني أخشى أن يكون هذا الخلاف بداية لمشاكل أكبر بعد الزواج. لا أريد أن أضغط عليها فتشعر أنني أقيّد حريتها، ولا أن أتنازل عن أمر أراه واجبًا شرعًا. سؤالي: هل أستمر معها على أمل أن تتغير بعد الزواج، أم أفسخ الخطبة ما دامت ترفض الالتزام بالعباية واللباس الشرعي بعد أن معرفة بحكمه؟
ابني الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات، والله أسأل أن يريح بالك ويسعد قلبك، وزادك الله التزامًا وتدينًا ورزقك الزوجة الصالحة التي تعينك على طاعة الله.
السؤال الملح الذي أريد أن أسألك عنه منذ قرأت استشارتك لماذا تقدمت لخطبة فتاة لا تلتزم بالزي الشرعي منذ البداية؟ تمامًا كما يذهب شاب ويتقدم لخطبة فتاة عاملة ثم يطلب منها بعد ذلك ترك العمل، نسأله لماذا لم تتقدم لفتاة غير عاملة منذ البداية؟ لذلك أقول لك كان من الأيسر وكان من الأفضل أن تتقدم منذ البداية لفتاة تناسبك شكلاً وموضوعًا بدلاً من التقدم لفتاة والسعي لتعديلها لاحقًا أو بعد الزواج.
الحجاب والتربية
علي أي حال أنت قد خطبت بالفعل، والفتاة كما تقول خلوقة متدينة وأنت ارتحت لها بالفعل وقلبك قد تعلق بها، والمتبقي هو إقناعها بارتداء الزي الشرعي الصحيح، وقبل أن أشرح لك كيف يمكن أن يتم ذلك أريد أن أخبرك شيئًا عن طريقة تفكير كثير من الفتيات في الوقت الراهن حتى تستطيع استيعاب طريقة تفكيرها التي جعلتها ترتدي هذه الملابس، وبالتالي تعرف الطرق الأكثر إقناعًا في التعامل معها.
أقول لك كثير من الفتيات نشأن في عائلات متدينة ملتزمات بالصلاة يمتلكن قيمًا خلقية راقية سلوكهن أكثر من ممتاز.. يتعاطفن مع الضعفاء.. يتصدقن ويكثرن من الصدقة.. لديهن ضمير يقظ وقوة إيمانية عالية، وعلى الرغم من ذلك لا يلتزمن بالزي الشرعي كما يجب أن يكون.. هؤلاء الفتيات (وأظن خطيبتك إحداهن) ثروة حقيقية فهن شخصيات مريحة بالفعل، وبالتالي يستحققن بعض الوقت وبعض الجهد حتى يكون التزامهن الظاهري متشابهًا مع التزامهن الباطني، وهو أمر أسهل بكثير من أن يكون العكس هو الواقع فتكون الفتاة ملتزمة بالحجاب الشرعي ظاهرًا بينما قلبها مليء بالشبهات أو بأمراض القلوب، وهو يحدث كثيرًا أيضًا في البيئات المتدينة المحافظة.
دعني أوضح لك شيئًا، هناك طريقتان للتربية في أوساط المتدينين، الأول مثل خطيبتك يتم ترسيخ القيم الدينية فيها منذ طفولتها وفي الوقت ذاته تترك لها مساحة كبيرة من حرية الاختيار كطريقة اللباس مثلاً.. هم يقولون لها ويقدمون لها الأدلة لكن لا يتم إجبارها على الممارسة، والسبب الذي يمنع الأهل من ذلك رغم شعورهم أنهم قد يشتركون في الإثم أنهم يمنعون إثمًا أكبر، وهو أن تكره الفتاة الحكم الشرعي أن ترتدي اللباس الشرعي وفي قلبها رفض وكراهية له.
والطريقة الثانية -عكس الأولى- من طرق التربية، وهي التي تجبر الفتاة على ارتداء الزي الشرعي حتى لا يقع الأهل أنفسهم في الإثم، وقد تكون الفتاة مقتنعة أو غير مقتنعة لا يبالون بذلك، ومن ثم تجد بعض الفتيات ظاهرهن الالتزام إنما في قلوبهن كن يتمنين ارتداء زيًّا آخر، وغالبًا ما يكون لديهن شبهات ومشاعر إيمانية مهزوزة لارتباط التدين بالقهر..
بالطبع هناك فتيات كثيرات يتوافق الظاهر مع الباطن وخاصة عندما تجد هذه الفتاة في أسر عادية غير متدينة بطبيعتها، فهنا تعلم أن هذا هو اختيار الفتاة الحقيقي.
بالطبع أيضًا هناك فتيات كثيرات مقتنعات باللباس الشرعي ويرتدينه وقد تربين في عائلات متدينة.. ما أقصده أن هناك جيلاً سابقًا كان يُطلق عليه جيل الصحوة ارتدت الفتيات فيه اللباس الشرعي عن قناعة تامة وربما على غير مثال سابق في البيئة المجتمعية التي عشن فيها.
لكن الجيل الثاني من البنات (الجيل زد والجيل ألفا) جيل عصر العولمة والسماوات المفتوحة والتعقيدات السياسية والدعوية التي واجهت جيل الصحوة.. هذا الجيل ينتقي أشكالاً أكثر عصرية من اللباس بعضها يقترب جدًّا من الزي الشرعي حتى يكاد يتطابق معه وبعضها يبتعد عنه بدرجات متفاوتة، إنهن الفتيات اللاتي يردن أن يكون لباسهن شرعيًّا و"ترند" في آن واحد.. اللاتي يرغبن إذا سافرن لأي دولة في العالم ألا يشعرن بالغربة رغم ارتدائهن الحجاب؛ لأنهن جيل يرغب في الاندماج والتعايش لا الصراع والمواجهة، هذه هي الفلسفة العميقة لطبيعة اللباس الذي يتم ارتداؤه والذي يوصف بالعصري.
مفاتيح الحل
في رأيي أن حل هذه المشكلة يتضمن أمرين:
الأمر الأول: أن تعلم أنت أن اللباس الشرعي ليس له صورة محددة وإنما له شروط إذا ما توفرت في أي لباس نحكم عليه بأنه شرعي؛ فالعباءة مثلاً ليست شرطًا من شروط الحجاب وإنما الملابس الواسعة التي لا تصف تفاصيل الجسد من شروطه.. اللون مثلاً ليس من شروط الحجاب وإنما عدم ارتداء زي لافت من شروطه، وهذا يختلف من بيئة لأخرى، وهكذا فإذا تحدثنا عن خطيبتك تحديدًا وحسب ما جاء في كلامك فسنجد الآتي:
* ترتدي ملابس واسعة نسبيًّا.
* تظهر بعض الزينة.
* ترتدي حجابًا يكشف أحيانًا عن جزء من الشعر أو العنق.
هنا أنت عليك أن تساعدها على التغيير ببطء ومن الأكثر أهمية للأقل أهمية؛ فتبسيط الأمر وتجزيئه يجعل الأمر سهلاً، فلتبدأ معها عن أن من شروط الحجاب أن يغطي كامل الشعر والعنق ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، فأنت كلما رأيتها ترتدي حجابًا يكشف شيئًا من شعرها أو عنقها طلبت منها بهدوء أن تغطي شعرها وأن تلف غطاء الرأس بطريقة تخفي العنق (طلب جزئي محدد)...
كرر ذلك كلما رأيتها ترتدي الحجاب على هذا النحو، حتى إذا اعتادت ألا يكشف غطاء الرأس عن الشعر أو العنق امتدحها وذكرها بالله الذي يرزقكما البركة والتوفيق بقدر ما تستجيبان لأوامره.. أعرب لها عن مشاعر السعادة؛ لأنها استجابت لأمر الله وأنها كانت عند حسن ظنك بها، وكيف أنها فتاة رائعة، وبالتزامها بالحجاب ستكون أقرب للمثالية، وهذا يسمى في علم النفس تعزيز "السلوك الإيجابي".
وصدقني أول خطوة هي أصعب الخطوات؛ لأنها تتحدى النمط المجتمعي السائد عند الفتيات، فهي لا ترتدي هكذا حتى تنال إعجاب الشباب كما قد يتوهم البعض (ربما بعض الفتيات يفعلن ذلك) وإنما لتنال القبول المجتمعي في مجتمع الفتيات.
الأمر الثاني: كي ينجح زواجك بهذه الفتاة فعليك أن تتمتع بلون من المرونة الفكرية كي تستطيع أن تتحاور معها وتقنعها باستخدام سلطة العقل لا الإكراه ولا الإجبار، فهو لا يجدي معها نفعًا وهي التي تربت على قيم الحرية، وبالتأكيد أنت تعلم أنه لا تعارض بين العقل والنقل.
عليك أيضًا أن تتبنى من الآراء الفقهية أكثرها يسرًا خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة.. وأنت تعلم أن الفقهاء اختلفوا في كثير من المسائل والأمور، المهم أن تبقى داخل الدائرة، وهذا ليس تساهلاً أو تنازلاً دينيًّا لأنك تلتزم بحدود الخلاف، أما إذا كنت تميل للآراء الأكثر تشددًا فغالبًا ما سيحدث صدام بينك وبينها، وعليك أن تفكر بالفعل أن ترتبط بفتاة من نفس المدرسة الفكرية التي تنتمي إليها، وأنصحك قبل أن تتخذ قرارًا أن تقرأ بعض أجزاء من كتاب الدكتور عبد الحليم أبو شقة "تحرير المرأة في عصر الرسالة"؛ ففيه كلام ثمين.. وفقك الله لما تحب وترضى، وتابعنا بأخبارك دائمًا.