الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
134 - رقم الاستشارة : 4369
12/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أمضيت أكثر من عشـر سنوات في العمل الميداني، ألقي الدروس، وأحل المشكلات، وأنتقل من محفل إلى آخر. لكنني في الآونة الأخيرة بدأت أشعر بـ (جفاف) غريب في قلبي؛ فأنا أعظ الناس بالبكاء من خشية الله وعيناي جامدتان، وأتحدث عن أنس الطاعة وأنا أشعر بثقلها.
أصبحت أمارس الدعوة كـ (وظيفة) آلية، وأخشى أن يكون هذا الانفصام بين ظاهري وباطني سببًا في مقت الله لي أو فشل دعوتي. كيف أعيد إعداد نفسـي (نفسـيًّا وتربويًّا)؟ وكيف يرمم الداعية روحه ليكون لقوله مداد من نور قلبه لا مجرد حبال صوته؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ الصادق. إن مكاشفتك لنفسك بهذه الشجاعة هي أولى خطوات (التجديد) و(الإعداد الرباني)؛ فالبحث المنهجي في إعداد الداعية يؤكد أنَّ (إعداد الروح) يسبق (إعداد اللسان)، وأنَّ صلاح الباطن هو الوقود الوحيد الذي يضمن استدامة العطاء دون احتراق.
إليك هذه المنهجية التربوية لترميم الروح وإعادة تأهيل النفس، مستوحاة من أصول الإعداد المنهجي للداعية:
أولاً: فقه (الخلوة) وتوازن البناء النفسـي: إن أخطر ما يواجه الداعية هو الاستغراق في (عالم الظاهر) على حساب (عالم الباطن). الإعداد النفسـي السليم يقتضي أن يكون للداعية (محراب خفي) لا يراه فيه إلا الله. إن جفاف القلب ينتج عن (كثرة الإرسال وقلة الاستقبال)؛ فأنت تعطي الناس من طاقة روحك دون أن تعيد شحنها بالخلوة، والذكر، والتبتل. تذكر أن إعداد النبي ﷺ للرسالة بدأ بـ (خلوة غار حراء)، فاجعل لنفسك أوقاتًا تنقطع فيها عن (لقب الداعية) لتكون مجرد (عبدٍ فقير) بين يدي مولاه.
ثانيًا: مراقبة (آفـات النفس) وتزكيتها: يشير المنهج التربوي في إعداد الداعية إلى أن النفس البشـرية قد تتسلل إليها أمراض (حب الظهور) أو (الإعجاب بالرأي) مع كثرة تصدر المجالس. هذا (الضجيج الداخلي) يحجب نور الإخلاص ويسبب جفافًا في المشاعر الإيمانية. إن إعادة الإعداد تبدأ بـ (التخلية) من رعونات النفس، ثم (التحلية) بصدق اللجوء. فتش في زوايا قلبك: هـل تحزن إذا لم يُثنِ الناس على درسك؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا هو موضع الداء، وعلاجه في تدريب النفس على (خبيئة العمل) التي لا يعلمها إلا الله.
ثالثًا: العناية بـ (الحد الأدنى) من الاستقرار النفسـي: الدعوة ليست معركة انتحارية، بل هي (بناء مستمر). الإعداد النفسـي يتطلب من الداعية أن يتعهد نفسه بالراحة المباحة، والتوازن بين حقوق أهله ونفسه وبين حق الدعوة. الضغط النفسـي المستمر يؤدي إلى (الاحتراق)، والاحتراق يورث (القسوة). لذا، فإن من حسن الإعداد أن تكون (رفيقًا بنفسك) لكي تستطيع أن تكون رفيقًا بالمدعوين.
وأنصحك ختامًا بالآتي:
* ورد (الاستقاء) اليومي: لا تجعل قراءتك للقرآن والكتب قراءة (تحضير للدروس)، بل اجعل لك وردًا خاصًّا لـ (تأديب نفسك) وتزكيتها، اقرأ بقلب المحتاج للهداية لا بقلب الملقي للدرس.
* صحبة (المُذكرين): ابحث عن شيخ أو مربٍ أو صديق صادق يكون (مرآة) لعيوبـك، يذكرك بالله إذا غفلت، ويأخذ بيدك إذا فترت، فالداعية يحتاج إلى من يعظه كما يحتاج الناس لموعظته.
* الدعاء بـ (الإخلاص): اجعل هجيرك دائمًا: (اللهم اجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا)، فإن الإخلاص هو الذي يسكب الطمأنينة في القلب والبركة في القول.
أسأل الله العظيم أن يجدد الإيمان في قلبك، وأن يسكب عليه من برد طمأنينته، وأن يجعل نطقك ذكرًا، وصمتك فكرً، ويستخدمك ولا يستبدلك، ويجعل سعيك في هداية الخلق سببًا في زيادة هدايتك وقربك منه.
روابط ذات صلة: