اهتمام المرأة بزينتها في الخارج وإهمالها في بيتها

Consultation Image

الإستشارة 05/01/2026

في عصرنا الحالي، لوحظ أن بعض النساء المحجبات يبدين عناية كبيرة بمظهرهن الخارجي عند الخروج من المنزل، حيث يستخدمن أفخم أنواع المكياج، ويحرصن على ارتداء ملابس أنيقة وجذابة، مع ترتيب الحجاب بطرق متنوعة والبشرة بصفاء ونقاء عالي بسبب تغليفها بالكريمات المتنوعة . بينما في المنزل، قد يظهرن بمظهر أقل عناية، من حيث الشعر غير المرتب، والبشرة الباهتة والملابس الضيقة مرحبا (بجامات) أمام الآباء أو الاولاد أو النساء.

واللافت هنا هو أن بعض هذه الملابس الضيقة التي تخرج بها وتسميها حجاب شرعي ، على الرغم من كونها حجاباً ظاهرياً، إلا أنها تُظهر معالم الأنوثة بشكل لافت، مما يستدعي القول إن الحجاب بحاجة إلى حجاب آخر يتوافق مع الضوابط الشرعية.

السؤال: ما هو الحكم الشرعي في هذا التباين بين مظهر المرأة المحجبة داخل المنزل وخارجه؟ وهل يُعد ذلك تقصيراً في حق الزوج أو الأسرة؟ وما هي الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها لضمان تحقيق التوازن بين الحشمة والجمال؟

الإجابة 05/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فمرحبا بك أخي الكريم ويمكننا تقسيم سؤالك إلى سؤالين، السؤال الأول عن حجاب المرأة خارج بيتها وأمام الأجانب عنها، والسؤال الثاني عن حكم تزين المرأة لزوجها في بيتها وأمام محارمها.

 

وجمهور الفقهاء على أن المرأة عورة كلها عدا الوجه والكفين، خلافًا للحنابلة الذين يرون وجوب ستر الوجه والكفين أيضًا، واشترطوا في ملابسها ألا تشف عما تحتها، أو تصف وتجسد عضوًا من أعضاء جسمها، ولا مانع أن يكون الثوب نظيفًا جميلاً، ولا يجوز لها أن تبالغ في وضع المساحيق ومواد التجميل على وجهها إلا إن كانت منتقبة ولا تضع نقابها إلا أمام النساء أو محارمها.

 

أما تزين المرأة في بيتها لزوجها فهو واجب أيضًا خاصة إن طلب الزوج منها هذا، ومن خلال المعاشرة والتفاهم ستعرف المرأة ما يحبه الزوج من الثياب، وعليها أن تفعل ما يحبه الزوج ما لم يكن محرمًا.

 

أما ما ذكره السائل الكريم من الاهتمام بالزينة في خارج البيت وفعل ما يجوز وما لا يجوز، ثم إهمالها هذه الزينة في بيتها فهذا من الأعراف الفاسدة الباطلة التي تخالف الشرع، ومن قلب للحكم من تشريع الستر خارج البيت وإباحة الزينة للمرأة في بيتها.

 

يقول الدكتور القرضاوي – رحمه الله – في حجاب المرأة:

 

والذي تدل عليه النصوص والآثار، أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو ما روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة والتابعين والأئمة، واستدل ابن حزم -وهو ظاهري يتمسك بحرفية النصوص- بقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ} على إباحة كشف الوجه، حيث أمر بضرب الخمر على الجيوب لا على الوجوه، كما استدل بحديث البخاري عن ابن عباس أنه شهد العيد مع رسول الله وأنه عليه السلام خطب بعد أن صلى، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن وأمرهن أن يتصدقن. قال: فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه -أي المال- في ثوب بلال. قال: فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة ليست بعورة.

 

وروى الشيخان وأصحاب السنن عن ابن عباس، أن امرأة من خثعم، استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والفضل ابن العباس رديف رسول الله ﷺ، وفي الحديث: أن الفضل إلى الشق الآخر، وفي بعض ألفاظ الحديث "فلوى ﷺ عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ فقال ﷺ: "رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" وفي رواية: "فلم آمن عليهما الفتنة".

 

وقد استنبط بعض المحدثين والفقهاء من هذا الحديث: جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمر النبي ﷺ المرأة بتغطية وجهها، ولو كان وجهها مغطى، ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء، وقالوا: لو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل النبي ﷺ ولو لم يكن فهمه صحيحًا ما أقره النبي عليه.

 

وهذا بعد نزول آية الحجاب قطعًا؛ لأنه في حجة الوداع سنة عشر، والآية نزلت سنة خمس. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

أوصاف الحجاب الشرعي

 

وبناء على ما سبق يكون اللباس الشرعي هو الذي يجمع الأوصاف التالية:

 

لكي يكون الحجاب شرعيًّا ومقبولاً عند الله، لا بد أن تتوفر فيه شروط محددة، استنبطها العلماء من مجموع الأدلة الشرعية. إذا اختل شرط منها، لم يعد حجابًا شرعيًّا. وهي:

 

1. أن يكون ساترًا لجميع البدن:

 

يجب أن يغطي الحجاب كل جسد المرأة ما عدا الوجه والكفين عند من يرى بجواز كشفهما من العلماء. أما من يرى بوجوب النقاب، فيجب تغطية الوجه أيضًا.

 

2. ألا يكون زينة في نفسه:

 

المقصود من الحجاب هو ستر الزينة، فلا يعقل أن يكون هو نفسه زينة تلفت الأنظار. قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. فإذا كان الثوب مُزخرفًا بألوان براقة أو تطريز لافت للنظر، فإنه يفقد أهم شرط من شروط الحجاب.

 

3. أن يكون صفيقًا (سميكًا) لا يشف:

 

يجب أن يكون القماش سميكًا بحيث لا يصف لون البشرة تحته. الثوب الشفاف الذي يكشف ما تحته ليس بحجاب. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا النوع من اللباس فقال: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا... وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ..." (رواه مسلم). ومن معاني "كاسيات عاريات" أنهن يلبسن ثيابًا شفافة تصف لون الجلد.

 

4. أن يكون فضفاضًا واسعًا لا يصف:

 

يجب أن يكون الحجاب واسعًا لا يحدد تفاصيل الجسم وحجم أعضائه (كالصدر أو الخصر أو الأرداف). الملابس الضيقة (كالفيزون والبنطال الضيق والبلوزة المجسمة) تناقض مقصود الحجاب من ستر العورة ودرء الفتنة، وتدخل أيضًا تحت معنى "كاسيات عاريات" لأنه يصف حجم العورة.

 

5. ألا يكون مُطيَّباً أو مُبخَّرًا:

 

لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بعطر يشمّه الرجال الأجانب. قال النبي ﷺ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (رواه النسائي والترمذي وحسنه الألباني). والحديث شديد في التحذير من هذا الأمر.

 

6. ألا يُشبه لباس الرجال:

 

يجب أن يكون لباس المرأة خاصًّا بالنساء، لا تتشبه فيه بالرجال. فقد "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري).

 

7. ألا يُشبه لباس الكافرات أو الفاسقات:

 

ينبغي للمسلمة أن تتميز بهويتها الإسلامية في لباسها، وألا تقلد ما هو من خصائص لباس أهل الكفر أو الفجور. قال النبي ﷺ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (رواه أبو داود).

 

8. ألا يكون ثوب شهرة:

 

وهو الثوب الذي يُقصد بلبسه الاشتهار بين الناس، سواء كان نفيسًا جدًّا يُلبس تكبرًا، أو باليًا جدًّا يُلبس رياءً وتظاهرًا بالزهد.

 

تزين المرأة لزوجها

 

أما عن تزين المرأة لزوجها فهذا ما لم يخالف فيه أحد شرعًا ولا عقلاً ولا عرفًا، فلمن تتزين المرأة إن كانت لا تتزين لزوجها؟

 

يقول أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "أحكام النساء": "إن المرأة تحظى عند زوجها ـ بعد تمام خُلقها، وكمال حسنها ـ بأن تكون مواظبةً على الزينة والنظافة، عاملة بما يزيد في حسنها من أنواع الحلي، واختلاف الملابس، ووجوه التزيين بما يوافق الرجل ويستحسن منها ذلك، ولتحذر كل الحذر أن يقع بصرُ الرجل على شيء يكرهه من وسخ أو رائحة مستكرهة أو تغير مستنكر".

 

ثم قال: "وإن الخطر في تضييع الزينة عائد عليها خشية أن يتبين لبعلها التقصير منها فتطمح نفسه إلى غيرها. وعليها أن تضاعف زينتها في الأوقات التي ذكرها الله في القرآن ونهى الأرقاء والأطفال من الدخول على الزوجين فيها دون استئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:58].

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

 حجاب المرأة المسلمة وتحديات الموضة

جمال المرأة ومنصات التواصل.. عالم الفلاتر والزيف الإلكتروني!

الرابط المختصر :